ثقافة وفنون

تصحيح الجنس.. وهم أم حقيقة

بعدما تطرقنا في المقال السابق إلى الاصطلاحات الغربية الأساسية حول الجنس، وأوضحنا مفاهيمها، نناقش في هذا المقال كيف يبني الغرب مفهوم الهوية الچندرية.

ثمة مبدآن أساسيان يعتمدهما الغرب في نقاشه لهذه القضية، وهما:

  1. حرية الفرد المطلقة بغض النظر عن العُمر، أو لنقل الرُّشد المرتبط بالسن وبالنضج وباستقرار العقل وبالتجربة.
  2. شواهد هي بالأساس ظاهرية قد تؤثر في قرار مهم كاختيار الهوية الچندرية.

          دعني أقل لك أن هناك بالفعل حالات عديدة جدًا تجد فيها طفلًا ربما يميل لتقليد الفتيات، وقد يمتد الأمر لسنوات المراهثة أيضًا، والعكس بالعكس.

هذا ينقلنا للسؤال التالي:

ما معنى تقليد الفتيات والفتيان؟

مع التحفظ على تعبيرات ذات طابع ثيولوچي مثل “التشبّه بالنساء” وغيرها، دعها جانبًا لو سمحت الآن.

نعود لسؤالنا: ما المقصود بتقليد الجنس الآخر؟

  1. إطالة الشعر أو تقصيره (بحسب الجنس الذي تقلده).
  2. ارتداء الحلّي من عدمه.
  3. اختيار “شكل/ستايل” ملابس بعينه.
  4. تنميق/تزجيج الحواجب واتّباع قواعد التجميل من عدمها.… إلخ.

كلّها أمور مظهرية، يبقى السؤال حولها: مَن الذي قصرها على هذا الجنس أو ذاك في المقام الأول؟

ما هي القطعية الباترة في أن النساء يرتدين الفساتين والتنّورات، والعكس عند الرّجال؟

ضع في اعتبارك أن هناك مجتمعات درجت حضاريا واجتماعيا وسلوكيا على الضد تماما فتجد الرجال يرتدون التنورات والجلابيب والنساء يرتدين السراويل والبنطلونات (وإلّا تبقى فضيحة).

مثلا، ارتداء الأحذية ذات الكعوب العالية هو اختراع رجالي بحت يهدف لاستقرار قدم الفرسان على سروج الأحصنة، فما القاعدة الباترة التي حرّمت هذا النوع من الأحذية على مستخدميها من الرجال، وأصبحت حكرا في المقابل على النساء بحيث إذا عاد الرجال لارتداء الكعب صار الأمر (سفالة وخلاعة) منهم؟

مساحيق التجميل بالأساس هي أدوات تخفّي في أعراف أغلب المجتمعات، وأدوات تنكر لزوم ظهور الرجال على المسرح ولأريحية أدائهم في السيرك سيما إن كانوا من ذوي الإعاقات أو العاهات الظّاهرة، فكيف صار الأمر (فضيحة اجتماعية) إذا ما فكّر طفل أو مراهق أو رجل أن يضع مساحيق الزّينة لأنه يقلّد النساء؟

إن التحريم الاجتماعي لأمور معينة وربطها تقليديًا بجنس دون غيره حوّلها إلى موروثات جنسوية “مكدّسة/مقدّسة” وبالتالي فإن من يجرؤ على استعمالها بخلاف ما استقر لها فهو إما مارق أو فاسد أو مريض.

هنا تحديدا، فإن الاعتداد بـ”ظواهر” أو شواهد مماثلة كدليل على “انحراف/شذوذ/تصويب” جنسي، سيما في مراحل الطفولة والمراهقة هو أمر يحتاج إلى مراجعة جذرية.

أن تظن في طفل أو صبي (فتى أو فتاة) أنه مختل جنسيا لمجرد رغبته في ارتداء ملابس شقيقها أو شقيقته أو استعمال أدوات الزّينة الخاصة بأمه لهو عين الغباء والسّطحية.

وهذه تحديدًا يستند إليها الغرب (وفيهم أسر وعائلات بأكملها للأسف) للترويج لمبدأ ترسيخ الهوية الچندرية عند الأطفال، وبعضهم يبادر إلى المغالاة في التحرر والتقدّمية ويقوم بالفعل بإخضاع أبنائه لعمليات تصحيح أو تحويل جنس باعتبار الأسرة تذهب في ذلك إل أبعد الحدود لمساندة أطفالها.

تصحيح الجنس
دراج كوين قبل وبعد إعداد الماكياچ

منذُ لحظة التدخّل الجراحي والتعاطي الهرموني بهدف “تصويب/تعديل/تحويل” الجنس يبدأ الحديث عن الاصطلاحين الأخيرين المشار إليهما سابقا:

  1. SHEMALE
  2. TRANSEXUAL

جدير بالذكر أن اصطلاح “دراج كوين/كينج” DRAG QUEEN/KING معني بالأساس بالذكور الذين يبالغون في “تقليد مظهري” للنساء (غالبا دون تدخل هرموني أو جراحي) لأهداف لها بُعد تمثيلي ودرامي بحت، والعكس بالنسبة للنساء اللاتي قد يتحولن إل “دراج كينج” عبر الماكياچ والتجميل غالبا لأمور الشو المسرحي.

وفي هذه قد نقول أن البعض من هؤلاء المتحولين قد يكون لديهم ميول جنسوية مغايرة فعلا، أي يكون رجلا لا يمانع أن يعيش أو يتعامل باعتباره امرأة لكنه لا يرغب في الخضوع لعلاج هرموني أو جراحي لأسباب متباينة، أو أن تكون امرأة تميل للخشونة والتعامل كالرجال فعلا دون أن “تنوي” أو “هي ترفض مبدأ” التحول التصحيحي.

هؤلاء ستجدهم بكثرة في أوساط الكباريه الفاقع، نجوم “ڨيجاس” ومسارح “برودواي” ودور الموضة والماكياچ، ومنهم في الشرق فنانو الرقص الشرقي من الذكور سيما الذين يرتدون “البدل الحريمي” المزخرفة إياها..

أما كلمة “شيميل” تشير إلى الشخص الذي يتحول نصفه لامرأة، فيما أساس مولده هو ذكر.

الاصطلاح مهين للغاية، وبحسب “التطور الجنسلغوي” أصبح أكثر التصاقا بمشتغلي صناعة الپورن وعاملات صناعة الجنس الإباحي ممن لهم خصائص الجنسين؛ بمعنى أنهم على الأرجح لهم أعضاء تناسلية ذكورية خارجية واضحة وفاعلة تشريحيا، لكنهم أجروا عمليات تحويل (لنصفهم الأعلى) للحصول على ملامح أنثوية، أو تعاطوا عقاقير هرمونية لهذا الغرض.

أخيرا الترانزَكشوال:

وهو ما يشار إليه باعتباره “متحول” أو “عابر جنسيا”.

وهذه في كلمة ونص نستطيع أن نقول إنها خرافة. نقطة انتهى.

حيث في كل حالات التحويل الجنسي من وإلى الجنسين، أجرؤ أن أقول على التعميم، بل وحتى في حالات ما يبغبغونه هنا في الأوساط العربية المحافظة المتدينة باعتباره “تصحيح جنسي” لم يتم تسجيل حالة “عبور جنسي” واحدة، بمعنى أنه لم يوجد ولم يخلق المتحول الذي اقتنع وقنع وارتاح واستقر وقبل وتوافق تماما ولا حتى بنسبة تسعين بالمائة مع الجنس الذي تحول إليه.

بعد سنوات من المتابعة عن كثب لحالات ما يسمى بالعبور الجنسي، يدهشك أن أغلبها قد عاد وارتد إلى جنسه الأول معتبرا الأمر برمته سخفا وخيارا خاطئا.. البعض اعتبرها نزوة أفسدت الكثير من استقراره النفسي واتزانه العقلي والجسماني وأضرت به صحيا ويندم لأنه لا يستطيع استعادة ما بتره من أعضاء أو نزع ما زرعه منها، في أفضل الأحوال فلسفها البعض باعتبارها رحلة بحث عن الهوية كان لابد من خوضها، لكنه وحتى آخر لحظات قبيل انتحاره مثلا أو إغراقه في الإدمان “يأسف لأنه لم يجد تلك الهوية” التي انطلق بحثا عنها.

يدهشك أن من كانوا رجالا وتحولوا لنساء كانوا “بالغو الحُسن” والجمال في الحالتين، والعكس أيضا.

يدهشك أكثر أن “الممارسة الجنسية” في حد ذاتها لم تكن شغلهم الشّاغل، أو لنقل في أفضل تقدير كانت كذلك في مرحلة ما حتى اكتشفوا أنها “مش فارقة”، بل ووصل بالبعض أن فهم أنه أصلا “آسكشوال” أي غير مهتم بفكرة الاندماج في لحظة جنسية من الأساس، ومنهم من صار “آسكشوال” من باب القرف من فكرة ممارسة الجنس نفسه.

يعيدنا هذا إلى “هذا الفصل الرّاديكالي” الغربي بين “العلاقة العاطفية/الحب”، و”الممارسة الجنسية” سيما في ظل اعتبارهم الجنس ضرورة ملحّة ومستمرة، ذات وتيرة أو معدل منضبط أو طبيعي وآخر مضطرب أو حتى سوپر.. وهكذا.

برأيي وحسبما تابعتُ، لا يمكن تحديد جنسوية المرء عبر “نوع الممارسة الجنسية أو كيفيتها” وحسب، بل أجرؤ أن أقول أن آخر همّ المضطربين جنسيا هو “شكل الممارسة الجنسية أو إمكانيتها”..

أظن أن المعيار الأساسي هنا هو صراحة المرء مع نفسه “هل يمكنه أن يدخل في علاقة حب فعلية” مع شريك يماثله الجنس؟

هل يملك الشّغف والولع والعشق الذي يؤهله للاكتفاء بشريك واحد من نفس جنسه؟

فإن لم تكن الإجابة نعم صراحة، فإن الأمر لا يعدو كونه “قابلية للممارسة مع الجنسين/بايسكشواليتي”، ففي الشّرق على الأقل، أظن الأمر مستحيل لاعتبارات اجتماعية بالأساس، بعبارة أخرى “على الأرجح أن المضطرب جنسيا لا يجد فرصة كي يطرح سؤالا مماثلا ولو على نفسه فقط، ناهيك عن التجربة”..

يظل الأمر عندنا “جهازك شغّال ولّا لأ؟”، لو شغّال يبقى كويس والباقي يتعالج بالأدوية والحلال والحرام، لو مش شغّال أصلا يبقى يا خيبتك”… وهذه نظرة عبيطة فعلا.

لذا أظن أن مسألة “تحديد الهوية الجنسية” في الشرق ستظل رهن التجربة الغربية مما يعني المزيد من الإضرار بحالات الخلل والاضطراب الجنسي هنا بالأساس.

في المكسيك مثلا يدهشك أن قطاعًا اجتماعيا بأكمله يُعرف بـ”موشِه” أو الأغيار جنسيا (مِنَسْوِن) كما نقولها صراحة بالعامية.

تصحيح الجنس

الـ”موشِه” في المكسيك: رجال كاملو الأنوثة!

هؤلاء ينتمون بالأساس للطبقات الفقيرة والعمالية والفلاحية المعدمة، حيث تكون السلطة فيها أمومية مطلقة، المرأة ذات شخصية قوية ونافذة ببساطة لأنها هي التي تتولى تدبير كل شئون الأسرة وإعالتها إعالة كاملة، قوية الشخصية وقوية البدن (ضخمة وعفية) أيضًا، يولد الذكور كاملو الذكورة فسيولوچيا وبيولوچيا وسيكولوچيا ولا يعانون اختلالات مطلقا، إلا أنهم يبدون ميلا للتأسي بالنسوة القويات في أسرهم منذ الصّغر، يرتدون ملابسهن، يؤدون أعمالهن، يتحدثون مثلهن، يرتادون نفس جلساتهن ويتطرقون لنفس مواضيعهن وقد يميلون أيضًا لوضع زينتهن.

يدهشك أن النسوة لا يتضايقن مطلقا من “ميوعة أولادهن الذكور”، وبعضهن يشجعْنهم عليها لأنها ببساطة تعني أن “رجلًا أقوى حيشيل عنهم شوية”، رجال وشيوخ هذه الطبقة لا يتحرشون بهؤلاء الـ”موشِه” مطلقا، ولا يضايقونهم، يتركونهم في حالهم، قد يحدث في أسرة أو اثنين أن ينهر الرجال هؤلاء الـ”موشِه” عن “سلوكهم النسواني” لكنها ليست قاعدة، وقد يجد النساء في الأسرة يتصدّين له.

أمهات هؤلاء الـ”موشِه” لا يتحرّجن من أولادهن، بل إن واحدا من أهم أسباب تسامحهن مع “نسونة أولادهن” أن الولد الـ”موشِه” لن يتزوج وبالتالي لن يحمل الأسرة تكاليف زواج كشقيقاته أو أشقائه حتى!

عادة هؤلاء الـ”موشِه” لا يكترثون للعملية الجنسية، وهم غالبا “آسكشوال/لاجنسيين” وأعظم طموحاتهم هي العمل بالملاهي في أمور الرقص والغناء كالنساء من باب تحسين الدّخل ليس إلّا، وهم عادة يرون أن بإمكانهم دوما إجادة كل ما يظنه المجتمع “أنشطة نسوية” والتفوق على المرأة فيها!

منذ سنوات شاهدتُ على شواطئ الإسكندرية فتَى يرقص لهلوبة ولا أجدع راقصة تعرفها بحياتك، صار الآن فنان رقص شرقي محترف ومدرّب يُشار إليه بالبنان في الخارج، متزوج وله أطفال، تلمس مِن حديثه “نسونة” مَن لم يخالط بحياته سوى العوالِم، هو نفسه يقول إنه بدأ الرّقص في سنوات عمره الأولى مما أتاح له ليونة وميوعة وإحساس غير مسبوق بالنغم فبات يحرك عضلات جسده كلها بتحكم نادر حتى مع زيادة وزنه، يحرص على صورته الذكورية جدا ويشترك مع غيره من الراقصين المماثلين في أنه “يظل رجلا برغم كل ما يفعله”، لم يتأتى عنه ذلك الشّرر الذي لا تخطئه نفس عن المختلين جنسيا فعلا.

يُضحكك مثلًا أنه لم يتعرّض لـ”خطر حقيقي” بحكم “مهنته كعالمة أو رقّاصة” إذ يفصل تماما بين ذكورته الاجتماعية كرجل وبين مهنته كرقّاصة أقرب للـ”دراج كوين”، إنما تعرّض لخطر محدق حين جرى تشبيهه بشخصية سياسية وقيادية بارزة لبعض تقارب في ملامحهما!

في المقابل فإن ظاهرة (توم بويTOM BOY)  تنتشر كذلك بين الفتيات اللاتي قد يرتحن كثيرا في تقليد الذكور سيرًا وحديثًا وحركة ومظهرًا دون أن تنحى إحداهن بالضرورة لأن تكون ذكرا كامل الذكورة، ومنهن فعلا من لا يبدين اهتمامًا خاصًا للممارسة الجنسية أو حتى للانجذاب العاطفي.

وعلى نحو عام فقد يتسق الجنسان شكلا وموضوعا، لكنهما لا ينجذبان مطلقًا للجنس كممارسة.

ما أردتُ قوله هو أنه من شبه المستحيل أن تقيّم “حجم الخلل الجنسي” دون تحديد الهوية الجنسية التي لا يمكنك الجزم بها بالتّالي دون الرّكون إلى تجربة عاطفية، ومن شبه المستحيل أن “تصلح” خللا جنسيًا حال وجوده بالركون إلى هذه المعايير والتعاريف الغربية السّابقة التي لا تعترف إلا بشكل الأداء الجنسي وحده، وتسقط عوامل الحب والعشق والشغف بالطرف الآخر بغض النظر عن الجنس…

الأقرب للمنطق _ إلى أن نجرؤ على القيام بدراسات جنسية لائقة علميا ومحايدة _ هو قبول الآخر كما هو وإشعاره بالتقبّل سيما إن كان اختلافه أو تباينه أو خلله حتّى لا يضرّ غيره، أن نكف قليلا عن السير العمياني وراء الغرب بمحاولة “تصحيح الجنس” كآخر مستجدات العلم، والتوقف عن طرح مبدأ “وحدة الجنس” كأسلوب علاج ناجع وفعال لا بديل عنه، فالثابت بالتجربة حتى الآن أن كل من ابتلته الأقدار بازدواج جنسي تشريحي لا يتقبل مطلقا فكرة الجنس الواحد، وكل من أبدى ثمة شذوذ في الممارسة الجنسية لا يعود عنه مطلقا.

للحق هو خلل يضرّه وحده طالما أنه لا يحاول فرض شكل أو آداء جنسي بعينه بالقوة على الآخر، أما معاناته تجاه نزعته الجنسوية فهذه وحدها ليس لأحد أن يعينه عليها سوى الله.

داليـــا هــــلال

كاتبة صحفية محترفة، نقابية ومدير تحرير لإحدى كبريات المجلات المصرية المعروفة.. مترجمة وأديبة وشاعرة أقول: نكتُب لنبقى.. هكذا وحسب.. لا لنبقى سعداء.. لا لنبقى أحياء.. إنّما نكتُب لنبقى على إحدى صفحات الزّمن.. آلهةٌ ذوو نصوصٍ.. لم نسمع عن إله لم يترك خلفه نصًّا ملعونًا أو.. مقدَّسًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى