سياسة وتاريخ

تزوير الانتخابات عربيا.. ماذا تغير بين الماضي والحاضر؟

يقف وعي البعض في معرض نقده لثقافة التزوير الانتخابي التي طبعت سير الدولة العربية عند حد توصيف عمليتها والتنديد بها كونها تقفز عن حقيقة العملية السياسية تلك، دونما النفاذ إلى ما هو أعمق في أبعاد مخاطر التزوير التاريخية على التطور السياسي للوطن وإعاقة نمو فكر وثقافة المواطنة وجدلية السلطة في ثنائيتها التصارعية الحكم/المحكوم، الراعي/الرعية، والفرد/الجماعة.

إن اعتبار ذلك من أساسيات عناصر إخفاق التجربة الوطنية في العالم العربي، وبقاء ما يسهم في ارتجاع الفرد إلى الماضي السحيق ليرى من خلالها خيبة الحاضر المثالية السلطوية التي عاش فيها من خلال السرديات القديمة للمجتمع، ما يزيد من الارتهان للريبة و الخوف بين كل مكونات الاختلاف السياسي ما سيظل حائلا دونما ميلاد مجتمعات مدنية وسياسية قوية تجعل من سلطة الشعب حقيقة وحقيقية.

هل حقا يقف أثر التزوير الانتخابي عند حد العملية ولا يعدوها إلى مخاطر كبرى متصلة بطبيعة نمو المجتمع تشويها وتعويجا؟

هل عدم القدرة على مقاومة التزوير أو السكوت القاعدي عنه، ليس جزء من العلمية ذاتها وبالتالي شراكة عن غير تراض في العملية؟

ما السبيل عربيا في ظل تواطؤ الخارج مع سلط الداخل لمصالح طاقوية بالخصوص في التسامح مع التزوير للإقلاع عن الظاهرة والانخراط في المسار الطبيعي للعمليات السياسية، وعلى رأسها العملية الانتخابية بوصفها مقياس ضبط المشهد السياسي لأي مجتمع، وتحقيق القسطاس الانتخابي كحق من حقوق المواطنة؟

ثقافة التزوير الانتخابي التي محت ملامح الوطن

من هنا تتجلى قيمة الحراك الثوري الذي وسم بالربيع العربي، حيث الشعوب تحاول اكتشاف ملامحها، وهي التي لا تعرف من هي داخل المرآة الوطنية القُطرية مذ أعلنت ككيانات وطنية سياسية بعيد جلاء الاستعمار، كل الأزمات هي متصلة بشكل أو بآخر بإرادة التعمية على الذات الجمعية من خلال إقصاء رأي الفرد سواء في التعبير الشفوي أو التعبير الورقي عبر الصندوق.

فالمواطن العربي يعيش مفارقة قاتلة شالة لحركته السياسية في التاريخ، إذ يعيش واقعا حقيقيا وحقيقة واقعية، لكن التزوير الانتخابي يشكل له واقعا آخر يقهر فيه ويجبر على أن يتقبله خارج كل منطق وكل موضوعية، وهو ما زج به في غياهب ما تسمى بإشكالية الهوية المزمنة.

الهوية لا تقف عن حد الدجل والجدل الفلسفي النخبي المتعلق بعنوان الذات والأصول الثقافية والعرقية و اللسانية الذي لا يكاد يفلت من عراكاتها وحروبها المفتعلة قطر عربي، بسبب تركيبته التعددية وثراءه التنوعي الموشوم، بل إن أزمة الهوية الوجودية في التاريخ وغربة الإنسان العربي السياسية والعصرية فيه، هي أعتى أنواع الأزمات التي يمكن أن تهدد هوية الإنسان وسط التدافع البشري في طاحونة التاريخ.

عندما يُسرق رأي المواطن المتطور في التعاليم والمتدرج أفقيا في وعي العصر، وتقصى رؤيته للواقع وتطلعه للآفاق، يكون قد حُرم من النظر إلى حقيقة الوجود الوطني خارج المرسم السلطوي الذي يعيد تشكيل ملامح الحقيقة بحسب ما يرغب من خلود وبقاء مستفردا بالبلاد وخيراتها، ولا تهمه طبيعة الدولة، ولا شكل ما هي عليه، ولا شكل ما يجب أن تكون عليه، فتلك المسألة يتركها لنخبه المنتفعة على فتات موائده تستأنس بها.

التزوير يؤسس لوعي الخطيئة الوطنية

إن وطنا يقبل بالتزوير الانتخابي على مرأى من كل الضمائر الفردية والمؤسساتية، يغدو مجردا من كل أبعاد أخلاقية لا تتصل فقط بالعملية السياسية والسيادية، بل بعمق العملية التنموية، فكل شيء يصبح محل تهمة الغش والتزوير، وعدم التطابق مع القانون وصحة الإجراءات، وبذلك ينسجن المجتمع كله في سجن الخطيئة ويقبل بها وتغدو معروفا لديه، كما هي منكر في الدولة التي حققت التنمية بنبذ الغش وعلى رأسه الغش السياسي أي في الانتخابات.

في الجزائر اعترف المزورون من عتاة النظام القديم المستديم في الحكم، للجزائريين بجرائم التزوير التي ارتكبوها، إنما فعلوا ذلك لوجه الله حفاظا على الجزائر من شبح الانقسام بسب الحرب الأهلية التي فرضوها هم عليه لمدة زادت عن العقد من الزمن.

مارسوا إذن التزوير المؤقت لكي يؤسسوا به لوعي وطني جديد، بحيث يصبح البلد وأجهزته في غير حاجة لأداة التزوير مستقبلا، كي ينتخب رئيسا أو مسؤولا كفء غير مخرب ولا مفسد، فإذا بأداة تزويرهم تلك تنجب رئيسا (عبد العزيز بوتفليقة) لم يكتف بالتزوير الانتخابي، بل طال الدستور، بحيث صار يسارع عقب كل عهدة من عهد حكمه الأربع يعدل الدستور بما يمكنه من تجاوز عقبة الرفض الشعبي لحكمه، فهو قد كفر بكل عبقرية مجتمعية، وكسر كل القدرات وحطم المؤسسات وراح يزور الماضي والحاضر معا، فأدخل البلاد في مغارة سحيقة معتمة، لا يكاد المجتمع بحراكه يجد له بعد فيها مخرجا.

قبول فرية التزوير المؤقت من أجل المصلحة الوطنية، كان قمة الخطيئة التي ارتكبها الفاعل (المزور) وتقبلها الضحية، حيث ضيع كلاهما المسئولية الأخلاقية، وضيعوا المجتمع والدولة معا، هكذا هو العقل السياسي العربي، تبريري وتدميري بفعل سهولة انسلاله من المنطق والموضوعية، ورغبته في المرور إلى الأمام بأي صيغة مرور كانت وفق المنطق الشعبي (مشِّيها يا أخي).

أركيولوجيا السياسة بتكنولوجيا الانتخاب

فالسياسة في العالم العربي، إذن لم تتطور سوى على مستوى تكنولوجية الانتخاب التي توظف باتجاه تحديث الماضي وعصرنة تخلف السياسيين، من خلال إنتاج نفس نمط الأزمات على مستوى الصراع على الحكم والاصطفاف السياسي الطائفي الذي عوض الانتظام والتمظهر في الجماعات المذهبية الأولى، صار يلبس لبوس الحزبية باعتبارها مؤسسات سياسية معاصرة.

اختلف الدارسون والمفكرون والمتفكرون في الإيعاز السببي لذلك بين من حمل التراث وثقله على الوعي وبين من أرجعه لصعوبة تمثل الدولة القطرية المعاصرة، في حين يصر طرف آخر على أن الاستبداد العسكري الذي ورثته سلطة الدولة القطرية عن الاستعمار سبب الانتكاسة السياسية التي تعيشها الدولة العربية الوطنية فكرا وممارسة اليوم.

طبعا تتجلى عملية توظيف تكنولوجيا الانتخاب من أجل تحديث الماضي وعصرنة التخلف في تلك الحالة الصورية للعملية الانتخابية عبر تزويرها مسارا ونتائج ما أفرغها من محتواها الوظيفي والفلسفي، وخلق مفارقة تاريخية كبرى بين معرفة المجتمع ومجتمع المعرفة الذي يدرس العلوم السياسية الحديثة نظريا، ويمارس العهود السياسية القديمة واقيعا، تلك العهود القائمة كما أشرنا على الطائفية وتقديس وتكريس الطغيان المطلق والمطبق الذي تعصرن عربيا جمهوريا وملكيا معا.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق