مدونات

تزوج وانتظر الموت!

إن تزوجت، فانتظر الموت!

إنها تحبك، تموت في تفاصيلك، تقدس عشقها لك، تهيم في الذكريات وتستنشق عبق المستقبل، تريد أن تكون لها ملاذًا آمنًا، وتكون لك وطنًا يأويك ليلاً ويستكين لك بالنهار، تسبح في فكره كل لحظة وحين.

الآن، وها نحن نلتقي مرة أخرى على الجانب الأيسر من البحر الممتد على طول هذه المدينة البائسة، حيث جفاء الحب محفور في الصخور، أسماء كثيرة طبعت هنا، وأشعار غزل كثيرة نصبت فوق الرمال، طوتها أمواج النسيان وقد ضربتها رياح الفراق الشتوية، لكننا نلتقي مرةً أخرى رغمًا عنا دون موعد، صدفة كل الأحداث تحدث فجأة، نفس القبلة، نفس الابتسامة وحرارة اللقاء كأننا لم نفترق، وها نحن نعاود الاتصال والتذكر من جديد كلما مر بنا، بالليل أبحث عن رقمها في سجل هاتفي فلا أجده، لقد محاه الفراق، ثم أعود مرة أخرى أرتمي بين أحضان الذكريات، أتفحص مذكرتي، وأعود إلى زمننا البائد، فأجد بعضًا من تلويناته، أقلب التدوينات والخواطر، فتتحرك مشاعري من جديد، وتحيا ذاكرتي على لحظات كانت جميلة وأقبرت.

ها أنا أجد الأرقام مدسوسة هنا بين الصفحات، لقد كتبتها قبل حفظها ثم نسيانها من جديد، فكل الأشياء تحفظ وتنسى، وقدرنا أن نفترق ونلتقي.

ركب الرقم يا ماكي اتصل بها وانتظر الجواب، الهاتف يرن، القلب يصدح، الأذن تصغي في صمت، والفم مستعد للبوح، والأنف يحاول أن يتذوق رائحة عنقها الشهي، يبدو أنه خارج التغطية، فيعاود الاتصال حتى يتبين له أن الرقم لم يعد مشغلاً، يبدو أنها أحرقت كل شيء على مضض، لقد أحرقت كل ماكان يربطها بماكي حتى التفاصيل الجريئة، بينما هو لم يفكر في تغيير رقمه، أكان منتظرًا عودتها؟ أم أن الرجال ينسون دون حاجة لحرق الذكريات؟

انتظر ساعة وساعتين فإذا بالهاتف يرن فجأة، الرقم غريب، وصوت شجي يذكره بأشياء كثيرة، تلعثم لسانه في البداية كأنه يستنشق رائحتها من بعيد، يأتي صوتها كنسيم صباح عليل فيسأله: أنت لم تبدل رقمك؟

كان علي استبدال ذاكرتي عوضًا عن شريحة هاتف لعينة، كان علي حقن مصل يمحو جزءًا منك، صدقيني لم أستطع رغم محولاتي، وعندما التقينا، أنت لا تدركين كم حاولت إخفاء تلك الابتسامة، لكنها جاءت عفوية هكذا؛ لتؤكد لي أنني مازلت لم أشفى منك ولم ألقي رماد ذكرياتك في النهر.

مذ رأيتك انسابت كلماتك وهمساتك وعناقاتك علي كالشلال، حرمتني من النعاس، وجعلتني تائهًا وشارداً في كل تفاصيلك.

– ألم تتزوجي يا سميرتي، هذا الاسم الذي كان يناديه بها من قبل، يعود للسانه من جديد، يأتي جوابها بعد لحظة صمت تشبه نطق العدول بإعلان زواج اثنين، أو نطق القاضي بقرار الطلاق، فالطلاق والزواج تحيط بهما نفس الطقوس رغم أنها متعاكسان.

– لم أتزوج ولم أفكر بذلك، فلا أستطيع تكرار تجربة أخرى فاشلة، وأنت لما لم تبدأ علاقة جديدة؟!
– ما الفائدة من علاقة أخرج منها محطمًا، وخاسراً أسهمي العاطفية، ووقتي في مطاردة وهم الأفلام الرومانسية، ولحظات الشوق العابرة؛ فمصير الحب الخيبة دائماً كما جاء في كتاب نسيان للكاتبة أحلام مستغانمي أكبر منظرة في مجال العلاقات الغرامية.

– تزوج إذا يا ماكي! قالتها وهي تأكله بعينيها.

– لاسبيل لذلك لست إلا موظفًا بسيطًا في جريدة، والنساء تريد السيارات والسفريات، مهما تظاهرن بالعكس، وليس هذا في حد ذاته مانعاً، بل الفكرة ككل تعتبر بالنسبة لي مجازفة كبيرة، فعلى مدى سنوات عرفت الكثير من النساء، وخرجت بخلاصات أن المرأة تكون لك وطنا آمناً في البداية، لكن الوقت والروتين يقتل كل شيء، حتى لو أحبتك بجنون.

تزوج، أنجب الأطفال، افعل كل شيء من أجل وظيفة آمنة، وأيامك تمضي هكذا بين واجبات منزلية وزوجية تجعلك مستسلما للواقع، تعيشه بكل ضغطه ومسراته، وانتظر أن تموت فيك الحافزية، لا مزيد من تطوير الذات لتجريب أشياء جديدة، لتقبيل أوطان أخرى، فزوجتك وإن كان لك ضمير سيمنعك، تكبر زوجتك أمامك وتذهب رشاقتها وحيويتها، وتبدو عليها مساحيق التجميل كأنها صباغة بيضاء فوق جلد أسود، فور نزولك للشارع والعمل تتوه عينيك في أوطان طرية وفتية، فتأخذك حالة غليان هرمونية إن كانت مراهقة ذكورتك مازالت حية.

-لن أوافقك الرأي تمامًا، إلا في حالة كنت تشتهي الاستقلالية الزائدة، كما قال دويستوفسكي “الزواج موت روحي لكل ذات مستقلة ذات كبرياء”، لكن لنكن مثاليين قليلا ياماكي، القناعة احفظها تعش ملكاً، لو كنت قنوعاً فستهتم بزوجتك وستبقى ملاكاً في عينيك مهما ظهر عليها من التجاعيد، ستغير روتين علاقتكما وتطورها إن كان لك من الشغف والشوق ما يملأ كهفًا بأكمله، وبالتالي تكون حياتك طبيعية وحميمية.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق