مدونات

تزايد صراع «لوبي» التعليم الخصوصي في المغرب إثر كورونا

عرف التعليم الخصوصي في المغرب منذ ثمانينيات القرن الماضي تطورًا ملحوظًا، وكان من عوامل انتشاره خروج المرأة المغربية لسوق الشغل ووعي الآباء بضرورة توفير بيئة تعليمية ملائمة لأطفالهم، في حين استغلت مؤسسات التعليم الخصوصي رداءة مردودية نظيرها العمومي الذي ظل صامدًا طويلًا رغم الاستعمار؛ الأمر الذي جعل آلاف المغاربة يتهافتون ليسجلوا أبناءهم بمثل هذه المدارس، حتى أصبح عدد إجمالي المدارس الخصوصية بالمغرب حوالي ستة آلاف مؤسسة تعليمية خصوصية، تستقطب بدورها ما يزيد عن ثمانمائة ألف تلميذ وتلميذة.

قد يتبادر في ذهن قائل إن للتعليم الخصوصي إمكانيات هائلة يفتقر لها بتاتًا التعليم العمومي، ووجود جملة من المواصفات المغرية؛ كجودة التجهيزات، وغياب ظاهرة الاكتظاظ، وتوفير النقل المدرسي، وقرب المؤسسة من محل سكنى التلميذ، وتوفير الأمن وغيرها،

حقيقةً، لا أحد ينكر تلك العناية الفائقة والمذللة التي يحظون بها تلاميذ التعليم الخصوصي في المغرب والتي بطبعها تريح الأطفال وذويهم نفسيًا، أضف إلى هذا وفرة الأنشطة الموازية وبرامج حصص الموسيقى والمسرح والإعلاميات والرياضة، التي للأسف تنعدم بشكل كبير بمؤسسات التعليم العمومي. وهذا ما يبرهن على الطابع التجاري المحض لهذه المؤسسات، للأسف لم تتعاط الوزارة المكلفة في السنيين المنصرمة تدبيرًا ناجعًا للأزمة التي يعاني منها قطاع التعليم بالبلاد، فالسياسة المنتهية والمبنية على مبدأ “التقليد” والتي تكرس التبعية أكثر فأكثر لم تؤت أكلها، والدليل الدامغ كون المغرب مازال يصنف في مؤخرة الدول المتخلفة تعليميًا.

إن الواقع قد أبان عن خروقات بالجملة فيما يخص التعليم الخصوصي في المغرب نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:

  • انعدام المراقبة الدورية لمؤسسات التعليم الخصوصي وإعفاءها من الجزاءات الواقعة عليها.
  • إعطاء تراخيص لمؤسسات التعليم الخصوصي في المغرب التي لا توفر أدنى الشروط اللازمة لمباشرة أعمالها في خرق سافر لقدسية المنظومة التعليمية.
  • تقليد المناهج الدراسية من الدول الأوربية وتطبيقها على واقع مغاير وغير متناسب لا مع العقلية ولا العادات والتقاليد.

ولقد أكد على وجود هذه الاختلالات في قطاع التعليم، الوزير السابق حيث قال: “إن التعليم الخصوصي خرج من بين يدينا وأصبح يعمل (لوبي) يضرب له ألف حساب قبل اتخاذ أي قرارات تمس بمصلحته الربحية”.

ويحضرني هنا، ما قاله الدكتور المهدي منجرة، حيث جاد علينا بمثال وجودي يجسد واقع حالنا اليوم مع التعليم: “لما أراد شعب الصين القدامى أن يعيشوا في أمان، بنوا سور الصين العظيم واعتقدوا أنه لا يوجد من يستطيع تسلقه لشدة علوه. ولكن خلال المائة السنة الأولى بعد بناء السور تعرضت الصين للغزو ثلاث مرات، وفي كل مرة لم تكن جحافل العدو في حاجة إلى اختراق السور أو تسلقه، بل كانوا في كل مرة يدفعون للحارس رشوة ثم يدخلون عبر الباب، لقد اشتغل الصينيون على بناء السور ونسوا بناء الحارس. فبناء الإنسان يأتي قبل بناء كل شيء وهذا ما يحتاجه طلابنا اليوم.

تماشيًا مع القرار السيادي الذي رام بتوقيف الدراسة الحضورية بكل المؤسسات التعليمية بسبب تفشي فيروس “كوفيد 19″، شبّ صراع محتدم بين الأسرة المنهكة بسبب تداعيات كورونا الاقتصادية والاجتماعية، وبين “جشع” التعليم الخصوصي الذي بطبيعة الحال يفكر في استخلاص الواجب المدرسي بأي ثمن كان، ففي ظل هذا الخصام لم يراع هذا الأخير الظروف الاستثنائية التي تعاني منها البلاد والعالم برمته.

وسارعت المدارس الخاصة في طلب دعم مادي لشهر مارس المستخلص أساسًا من صندوق كورونا المنشأ من طرف الملك محمد السادس، علمًا أن الدراسة توقفت في نصف مارس.

وبالتالي، كل أولياء الأمور كانوا قد أدّوا واجبهم في أوائل الشهر، فبعد هذه المهزلة لجأ التعليم الخصوصي في المغرب إلى الخطة الموالية؛ وهي مواكبة الدروس عن بعد المحددة في ساعة واحدة من اليوم، غالبًا لا يستفاد منها الكثير، فلا يعقل سواء من الناحية القانونية أو الأخلاقية القبول بهذا العبث، فأولياء الأمور يحرمون أنفسهم يوميًا من ملذات الدنيا ومغرياتها حتى يستطيعوا أن يؤدوا الواجب الشهري بميعاده، في حين نجد أن المدرسة الخصوصية لم تقدم لهم في هذه الشهور سوى ساعة واحدة عبر تطبيق الرسائل “واتساب” في اليوم.

إذاً العقد المتفق عليه بين المدارس الخاصة وأولياء الأمور يشوبه خلل، والأنشطة الموازية والمميزات التي  يؤدون من أجلها الواجب الشهري غير متحققة واقعًا. فهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن هذا “الجشع” لا سند له ومبني أساسًا على باطل.

فعندما يرفع الستار عن المستور، يظهر المكشوف لكل العيان، فوجب علينا التفريق بين “اللوبي الرأسمالي المتوحش” وبين الأطر التربوية المشتغلة، والذين يذوقون الهوان والمذلة بسبب وضعهم الهش وعدم تمتعهم بالحقوق المكفولة لهم بموجب القانون كإعطائهم أجرة تضمن لهم العيش بكرامة والتصريح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، الذي حتى وزير حقوق الإنسان بالمغرب يمتنع عن تسجيل موظفيه بمكتبه الخاص فيه، وكأنه يحسبنا في العصر العباسي.

ورغم كل هذه الإكراهات السالفة الذكر، وضمانًا للإنصاف، نجد فئة كبيرة من المعلمين يضحون بالغالي والنفيس رغمًا عن المعاناة التي يعانونها بصمت، فهؤلاء هم من ينطبق عليهم قول الشاعر أحمد شوفي: “قم للمعلم وفه التبجيلا .. كاد المعلم أن يكون رسولًا”.

ولا ننسى الإشارة إلى أن بعض الشرذمات الذين لجأوا إلى التعليم الخصوصي في المغرب بغرض محاربة البطالة، حيث استفحلت هذه الظاهرة بكثرة في الآونة الآخرين وزادوا من الطين بلة، يشوهون بصورة الأستاذ التي تعتبر من بين أشرف وأعرق وأنبل المهن على مر العصور، ونتاجًا لهذا صرنا نرى أسر غير راضية عن أداء المعلمين لمهامهم. بالمقابل يصدهم هؤلاء بأن واجب التعليم غير مقتصر فقط على المدرسة كفاية بل مقسم ما بين الأسرة والمدرسة. ينتج عن هذا مشهد هوليوودي يتقاذف فيه بالتلميذ بين هاتين النارين، وكما قال الفيلسوف الإسباني جورج سانتيانا: إن “الطفل الذي اقتصر تعليمه على المدرسة هو طفل لم يتعلم”.

ختامًا، فقد حاولنا من خلال ما سبق ذكره بصورة موجزة وبعيدة عن الإسهاب، الإفضاء بما خالج صدور أسرة التعليم، إذ نؤكد أن الحلقة الأساسية في كل هذا الصراع هو ذاك الطفل البريء النجيب، ذو الجسم النحيل والعقل المتفتح، ذو طاقة جبارة ومواهب أخاذة، تناشدكم اليوم أيتها القلوب الإنسانية الرحيمة بالأخذ بيديه نحو طريق النجاح والإشراف على تعليمه وتوسعة مداركه.

التلميذ لست لعبة أو فأر تجارب، بل يقع على عاتقه المستقبل الوحيد الذي يملك مفاتيح خروج الأمة من ذل المهانة والضعف. عليكم أيها القادة الأجلاء والمسؤولون الموقرون أن تأخذوا الأمور بجدية، فليس كل من هب ودب يدخل للتعليم ويصبح معلمًا بين ليلة وضحاها.

تعد مهنة التعليم من أصعب المهن التي يمكن للفرد أن يلج للحصول عليها، فالتعليم مهنة عريقة ونبيلة. امتهنها الرسل والفلاسفة والمفكرين، فالإنسان الغير القادر على القيام بهذا العمل على أكمل وجه والذي لا يحتكم فيها إلى الضمير الأخلاقي والمسؤولية المهنية، فليذهب ليحارب البطالة في قطاع آخر. فحساسية هذا القطاع لا تحتمل الصدمات  أكثر.

حكموا عقولكم وضمائركم واتركوا العمل للذي يحبه ويبدع فيه، ودعوني أحيلكم إلى حديث صحيح جامع مانع لمجمل هذا الموضوع، أنه جاء على لسان أفضل الخلق محمد -عليه الصلاة والسلام- “إذا أسند الأمر إلى غير آهله فانتظر الساعة”، رواه البخاري.

اقرأ أيضًا: مع بداية «البعبع»: هكذا يتخلص الطالب من توتر امتحانات الثانوية العامة

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أسامة فتحي

ذ. أسامة فتحي الشغواني باحث في المجال القانوني طالب قانون وفاعل في المجتمع المدني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق