سياسة وتاريخ

تركيا تمعن في القطيعة مع الماضي.. فهل يتبخر حلم الخلافة؟

عربيًا، هناك من يعشق تركيا ويدافع عن سياساتها، ويعتبرها فريق آخر دولة “استعمارية” تتخفى خلف حلم الخلافة حالمة بإعادة أمجادها، وساعية إلى إعادة بناء إمبراطوريتها، بعد تاريخ طويل قادت فيه أنقرة العالم وانتهى نهاية مأساوية.

“حركة غولن”.. نواة التحرك الإسلامي التي غزت تركيا

حركة أسسها المفكر الإسلامي فتح الله غولن، حيث كان في صغره منشغلًا بالإمامة والوعظ ولا يهتم بالصراعات السياسية، تلقى تعليم الفلسفة، واطلع على الثقافة الغربية، وتأثر بالجماعة النورسية حتى صار واحدًا منهم.

بدأ غولن الدعوة خلال الستينات حين عُيّن إمامًا بمدينة الدرنة في 1971، في تلك الفترة أسس الجماعة والتي عرفت باسم حركة “حزمت” بالتركية أو جماعة “غولن”.

توسعت الحركة بعد 35 سنة من تكوينها، وأشرفت على ألف مدرسة تعليمية في الداخل التركي، وفي الخارج 2000 مدرسة في 100 بلد مختلفة حول العالم. كما تمكنت الحركة من تكوين شبكة إعلامية مهمة من محطات تلفزيونية وإذاعات ودور نشر وصحف، وامتلكت ما يقارب من تسعة آلاف شركة في العالم يقدر رأس مال بنحو 150 مليار دولار، وتستحوذ على أسهم بنك آسياح وهو أكبر بنك إسلامي في تركيا. وقد تمكنت الحركة من التمدد والتغلغل في القضاء والجيش وأغلب مفاصل الدولة.

ركزت الجماعة اهتمامها على المجال الدعوي والتعليمي والوعظي ولم تعط أهمية للسياسة، حيث كان فتح الله غولن مقتنعًا بأنه لا جدوى من إحداث تغيير على المستوى السياسي لكونه كان ينظر بإيجابية إلى نظام الجمهورية.

واهتم الإسلاميون في فترة السبعينيات من القرن الماضي، والتي شهدت قيام الثورة الإيرانية الإسلامية، ببناء الدولة التركية الإسلامية وصاروا يدعون إلى استعادة الخلافة. فيما عارض غولن تحكيم الشريعة الإسلامية معتبرًا أحكام الدين تخص الفرد وإيمانه ولا دخل للدولة في ذلك.

دب الخلاف بين القوى الإسلامية

بانقلاب سبتمبر 1980، انتهى القمع الذي كان مسلطًا على الإسلاميين الأتراك، ففرحوا بالانقلاب الذي أخرجهم من الاضطهاد وأطلق أيديهم للعمل والدعوة دون رقابة.

وبدوره، دعم فتح الله غولن الانقلاب وفي عام 1982 أسس مدرسة غولن التي تعتبر حجر الأساس في بناء حركته خلال السنين القادمة.

دب الخلاف بين جماعة الناشط الإسلامي -حينها- رجب طيب أردوغان، وجماعة غولن، وكان الخلاف على هوية حركة الإسلام السياسي التي أسسها الداعية الإسلامي التركي نجم الدين أربكان، سنة 1983، تحت اسم “حزب الوفاء”؛ وتمثل الخلاف في دفاع الأخير عن الحجاب فيما كان يعتبره غولن زي ليس من الإسلام في شيء.

واستهدف أربكان من حزبه، التحرك ضمن مشروع الاتحاد مع العالم الإسلامي، فيما ركز غولن على مسلمي تركيا وكل ما يهمه هو الأصل التركي لا غير.

وجاء الانقلاب العسكري عام 1997 على حكومة حزب “الرفاهة” بعد عامين من انتخابها، فتم حل الحزب ولم يجد أي تعاطف أو دعم من حزب “الخدمة”، التي تقربت من الحكم العسكري في محاولة لتخفيف حالة التوجس تجاه كل ما هو إسلامي.

وصرح غولن إعلاميًا في 1999، أن سياسة حركته تعتمد على الاستراتيجية الدعوية والتغلغل في المؤسسات وعدم استعمال العنف لتغيير الحكم؛ ورغمًا عن مد يده للعكسر، انقلب عليه الأخير وبدأ في مضايقة حركة غولن مما اضطره إلى مغادرة تركيا في العام ذاته، والذهاب إلى ولاية بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأمريكية.

أردوغان.. حلم الخلافة بدأ يلوح في الأفق

انشق عدد من النواب التابعين لحزب الفضيلة الإسلامي الذي تم حله سنة 2001 وأسسوا حزب العدالة والتنمية وكان رئيسه رجب طيب أردوغان.

ويعد حزب العدالة والتنمية هو الحزب الثالث والتسعون بعد المائة ضمن الأحزاب التي شاركت في الحياة السياسية التركية ويمثل الحزب الجناح الإسلامي المعتدل في تركيا.

وساند “غولن” رفيقه في الحركة الإسلامية، بعد وصول أردوغان لمنصب رئاسة الوزراء سنة 2002، ورحب بوصول حزب العدالة والتنمية للحكم، واعتبر أن ذلك قد يخدم حركته. لكن سرعان ما دب الخلاف بين الحزبين بسبب السياسة الخارجية لأردوغان الذي يعتمد على إعادة بناء النفوذ التركي في منطقة سيطرة الإمبراطورية العثمانية سابقًا والذي عرف هذه السياسة بـ”العثمانية الجديدة”.

واختلف حزب العدالة والتنمية مع غولن في طريقة تعامل أردوغان مع إسرائيل والذي يعتبرها غولن مضرة للعلاقات التركية مع دول الغرب. وتطور الخلاف ووصل مداه بعد تدحل تركيا في الدول العربية بعد الربيع العربي.

كان عام 2012 مهمًا في الصراع بين الحزبين حتى أصبح “أردوغان” يشعر بخطر حركة “غولن” عليه خاصة عندما تم استدعاء مدير المخابرات المقرب من “أروغان” من طرف وكلاء نيابة مقربين من حركة “غولن” واتهامه بالاتصال سرًا مع حزب العمال الكردستاني.

فهم “أردغان” أن حركة غريمه السياسي لها أذرع في أجهزة الدولة. وكان رد الفعل أن قام عام 2014 بإغلاق المدارس التابعة لغولن، ثم في نفس السنة قام الأمن التركي باعتقال المقربين من “غولن”.

اتهمت الحكومة التركية حركة “غولن” بالتغلغل في الحكم وفي 2014 ألقت القبض على رئيس الحركة فتح “غولن” واتهمته بقيادة جماعة إجرامية، وفي 2016 إثر الانقلاب الفاشل اتهم أردوغان حركة غولن بتنفيذه، وانطلقت جملة كبيرة لتطهير الدولة من أتباع غولن وتم اعتقال الآلاف منهم وإثر ذلك اتهمت الدول الغربية تركيا بـ”الدكتاتورية”.

إقامة تركيا العلمانية على أنقاض الخلافة الإسلامية

لقد كانت تركيا مقر الدولة العثمانية، ودامت الخلافة الإسلامية ما يقارب من 700عام، مما كون لدى شعبها حب الإسلام والشعور بالمسؤولية تجاه الدين الإسلامي.

انتهت الدولة العثمانية كما بدأت بالعنف والاضطرابات والانقلابات، تكونت بعدها تركيا الحديثة، وأصبح لتركيا موقع على الخريطة السياسية والاستراتيجية العالمية كواجهة للتيارات الإسلامية، لكنها اصطدمت بعقبات وصعوبات مختلفة مما جعل أنقرة تتخلف على بقية القوى الاسلامية في المنطقة.

يشعر الإسلاميون الأتراك بأهمية الخلافة ويتحدثون عن الذكريات العظيمة للإمبراطورية العثمانية، مما يشكل دور روحي لدى القوى الإسلامية، فبسقوط العثمانيين وإقرارهم بهزيمتهم وتسليمهم سنة 1919 ليبيا لإيطاليا وخسارتها لكل الولايات العربية، قبل أن تتعرضت منطقة الأناضول لغزو يوناني قسم البلاد بين الحلفاء. اختير -آنذلك- القائد العسكري مصطفى كمال أتاتورك لقيادة المقاومة لدحر القوات اليونانية المحتلة.

أسس أتاتورك تركيا الجمهورية الحديثة، وحافظ على الخلافة كمؤسسة دينية شبيهة بوضع الفاتيكان، ولكن الإسلاميين ضغطوا على أتاتورك لكي يحافظ على الخلافة؛ مما جعل حكومة القائد العسكري تشعر بخطرهم على الجمهورية الوليدة، وقررت التخلص منهم ومن حلم الخلافة، حيث قام المجلس الوطني في مارس 1924 بالغاء الخلافة وحل كل المؤسسات المرتبطة بها.

هل يتحقق حلم الخلافة الضائع؟

بعد الإطاحة بالخلافة الإسلامية في سنة 1925 اشتعلت الأناضول بتمرد مسلح قاده شيخ كردي، أعقبه إلغاء سنة 1928 من الدستور الفصل الذي ينص أن الإسلام هو دين الدولة.

وأدرجت الحكومة التركية عام 1937 في الدستور، مبادئ الدولة الحديثة كما خطط لها كمال أتاتورك، لكن القوى الإسلامية لم تستسلم واستمرت الطرق الصوفية في الضغط من أجل عودة الخلافة الإسلامية بقيادة تركية.

عارض العالم الإسلامي بديع الزمان سعيد نورسي، الدولة العلمانية الجديدة -بحسب الدستور- لكن بعد وفاته سنة 1960 ترك أتباعه يواصلون طريقته وكانوا يسمون النورسين.

وأخيرًا أرى أن تركيا الجمهورية لم تعد تستطيع الرجوع إلى الوراء، وأظن أنها سارت شوطًا مهمًا في القطيعة مع الماضي ولا يمكن لها أن تعود إلى الخلافة. وستبقى الخلافة مجرد حلم وذكريات بسلبياتها وإيجابياتها.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

صلاح الشتيوي

كاتب تونسيي كتب العديد المقالات في السياسة والبيئة والاقتصاد تم نشر اغلبها بجريدة الشروق الورقية و بعض المواقع العربية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق