سياسة وتاريخ

أمريكا ترامب.. غطرسة حتى في الكوارث

يسابق العالم الزمن وفي القلب منه الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة؛ للوصول إلى حل يوقف القاتل المجهري القادم من الصين المسمى كورونا عند حده، فالأهم من الخسائر الاقتصادية والجمود السياسي اللذين تسبب فيهما الفيروس المجهول للعالم بأسره، تأتي الخسائر البشرية على قائمة الكوارث التي تسبب فيها للعالم بشكل لم يتوقعه أكثر علماء الكائنات الدقيقة اهتماماً بالفيروسات الكونية.

منذ فبراير الماضي، وبعدما استشرى خطر الوباء التنفسي القادم من الشرق الأقصى، بدأت التسريبات تتحدث عن سقوط قتلى من سكان الصين على مذبح كورونا يفوق بكثير الأرقام المعلنة عبر النظام الحاكم، وزاد من مصداقية هذه الأنباء إعلان الحكومة الصينية نفسها حاجاتها لأطباء للعمل في مستشفياتها، لا لعلاج المرضى، ولكن لحرق جثث الموتى وبأجر يربو على خمسمائة دولار يومياً.

ومع عبور كورونا إلى إيران تشكك العالم مجدداً في صدق المعلومات التي تنشرها حكومة الملالي، فإيران كما الصين محكومة من نظام شمولي يخفي الحقيقة خوفاً من انهياره على يد شعبه الحانق على حكمه الأخرق، الذي بدد أموال البلاد من أجل أحلام استعادة المجد الفارسي، دون اهتمام بالشعب قدر اهتمامه بتلميع نفسه والبقاء في السلطة، وانتظر ليعرف من مصادر مستقلة حقيقة المصابين والوقيات وإمكانية الشفاء.

وعندما حط المرض الجديد رحاله في أوروبا، وتحول لوباء يحصد الأرواح حصداً، وانتقل منها لبريطانيا وفرنسا وألمانيا وحتى دول شمال أوروبا، تأكد الغرب بشكل لا يدع مجالاً للشك أن كورونا سيسير على خطى الإنفلونزا الأسبانية التي قتلت من سكان الأرض ثلاثين مليون إنسان أغلبهم من أوروبا، وهكذا قدح العلماء الأوروبيون زناد فكرهم لاختراع علاج ومن بعده لقاح يستأصل شأفة كورونا، بينما ظل صمت الأخ الأمريكي الأكبر سيد الموقف على الضفة الغربية للأطلسي.

كان الأمريكيون مطمئنين بنسبة كبيرة أنهم في معزل عن الوباء الكوني، خاصة بعدما أعلن ترامب في خطاب حالة الاتحاد في الرابع من فبراير الماضي أن الوضع في الولايات المتحدة تحت السيطرة، وزاد من اطمئنان مواطني البلاد إصدار ترامب قراراً بوقف الرحلات بين بلاده والاتحاد الأوروبي بما فيها الحليف البريطاني، لكن الفيروس الكوروني كان له رأي آخر.

سجلت أولى الحالات المصابة بكورونا على الأراضي الأمريكية في الأسبوع الثالث من مارس 2020، وبالرغم من قلة الحالات بادئ الأمر، إلا أن الفيروس وكعادته ضاعف في الفترة التالية من إصاباته، ومع غياب العلاج أو اللقاح؛ سقط مئات القتلى ثم زاد العدد ليصل لآلاف الأمريكيين، حتى بات سقوط ألف قتيل أمريكي بسبب كورونا خبراً اعتيادياً في نشرات الأخبار.

على الفور أصدر البيت الأبيض قرارات حازمة لمواجهة ذلك الظرف الاستثنائي، فحظر ترامب تصدير معدات مكافحة الفيروس، وأصدر قراراً آخر بتصنيع أجهزة التنفس الصناعي للحالات الحرجة والمتواجدين في العزل على حد سواء، ودخل في صراع مع ألمانيا مستولياً على مليون كمامة بثلاثة أمثال سعرها

وفي لقطة استعراضية وانتخابية في آن واحد، هدد ترامب بمعاداة أية دولة في العالم تمنع مستلزمات كورونا عن أمريكا، ولم يأبه باعتبار ذلك الأمر تهديداً مؤكداً أن أمريكا ستحصل على ما تريد رغم أنف الجميع، وهو نهج الغطرسة الذي اعتادته واشنطن دوماً كلما تعرضت مصالحها أو وجودها للخطر، لكن ذلك تكرر كثيراً.

فعلها جورج بوش الابن عام 2001 بعد هجمات سبتمبر، بعدما اعتبر أن من لم يقف إلى جوار أمريكا في حربها ضد الإرهاب فهو ضدها، ومن قبله هدد نائب وزير الدفاع في إدارة بوش الأب بول وولفويتز الأوروبيين بعقاب مدمر إذا تجدثوا عن جل حلف شمال الأطلنطي الذي تقوده أمريكا، وفعلها رونالد ريجان عام 1981 عندما هدد بتجميد عمل أية شركة أوروبية تساعد في تصدير الغاز الطبيعي السوفيتي لأوروبا؛ إخضاعاً لأوروبا لتنتهج نهجه في محاربة زعيمة الكتلة الشرقية وقتها.

لكن ما يجب أن يعلمه ترامب أن غطرسته التي ستفيده بالتأكيد في الكفاح ضد كورونا ستصيب العلاقة مع الحلفاء خاصة الأوروبيين بأضرار جسيمة سيصعب تلافي عواقبها مستقبلاً، وربما تقضي على النفوذ الأمريكي داخل القارة العجوز التي لم تعد حكوماتها تنظر بعين الاطمئنان لنوايا الحليف التاريخي لها، وتعتبره تهديداً وجودياً لها أكبر حتى من الدب الروسي الذي لا يخفي مطامعه فيها.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى