مدونات

تراجيديا العيش في كنف دول العالم الثالث (الجزء الأول)

عن تراجيديا العيش في كنف دول العالم الثالث

أيها العابرون نحو الحياة، ذرونا نقتبس من نوركم ونقتفي أثركم. عن تراجيديا العيش في كنف دول العالم الثالث. عن معاناة الإنسان المعاصر للعيش حياة عادية. ملحوظة: إن ما سنقدمه من أفكار في هذا المقال لا يشكل تعميمًا على فئة معينة بأي شكل من الأشكال وليس هجومًا عليهم.

 الشهاد: وسيلة عبور للرقي الإجتماعي!

ما إن ينتهي الطالب من سلك البكالوريا ويتجه نحو الدراسات العليا حتى تبدأ معالم مستقبله بالوضوح، حيث من حالفه الحظ ليدخل كليات يسميها الإخوة المصريين بكليات القمة وهي كليات الطب والهندسة، يعتبر من برجوازية العلم! فينتقي أصدقاءه بعناية فائقة ولا يتزوج إلا ممن تعادله علمًا وشهادة ورقيًا إجتماعيًا!

وإنني أذكر ذات مرة أن مجموعة على الفيسبوك كانت مخصصة لزواج المهندسين والأطباء في تجسيد لعنصرية مقيتة، وكأن هؤلاء يبحثون عن نقاوة الدم وإنجاب عنصر أري.
أما حديث البعض منهم فهو فرنسية معجونة بالعربية، فتعطي خليطًا لغويا كالعصارة المعدية، فلا تفهم من تلك المصطلحات العلمية أي شيء حيث كان المفروض أن يبسط المتخصص علمه للعامة، ولا يسكن في برج عاجي حتى لا يقترب منه أحدهم.
وكذلك يفعل البعض ممن يحضر لسلك دراسي معين فتجده يضيف ذ أو د لاسمه وكأنه يريد أن يتميز عن الناس، حق له فهو باحث، لكن ليس بهذه الطريقة نتميز، ولا نتميز بالألقاب والرتب إنما نتميز بعطاءنا في سبيل إسعاد البشرية، هل علمك يضيف شيئا لبني الإنسان، هل سيقضي على الفقر أم سيجلي الأحزان، احزان بسبب تقهقرنا العلمي والفكري كلاهما سيان.
إني أستغرب أشد استغراب حينما أسمع طالب دكتوراه ينتظر أستاذا مشرفا ليقترح عليه موضوعا لبحثه! وكأنه أعدم الأفكار، وليس لديه مشروع بحثي شخصي يمني نفسه أن يرى النور في يوم من الأيام.

وهل البحث العلمي سوى شغف يحركك ليل نهار، أما إذا كان عكس ذلك وكنت ممن يبحث عن الألقاب والمسميات الزائلة فحقيق عليك أن تكتب ما تريد بجانب اسمك وأن تعلق نياشين على صدرك فأنت في النهاية طالب دنيا ونيتك على المحك، فأي علم يرجى من وراءه منصبًا رفيعًا أو يعلو من وراءه وضيع ولو بالغش والتدليس، فهو كغثاء السيل، لا يسمن ولا يغني من جوع، وكم سمعنا عن سرقات علمية في واضحة النهار، وبيع وشراء في الشواهد يبتغي من يرتكب هكذا أفعال أن يترقى مجتمعيًا بكل الطرق والوسائل، فالناس تحترم من يحوز الشهادات ولا تكترث لصاحب المهارات.

الوظيفة: بين الاستقرار والاندثار

يتخرج الطالب، يصبح موظفًا يحسب له ألف حساب وحساب، فلا يجلس إلا مع من يساويه مكانة ويتأفف من خلانه البؤساء الذين لا زالو يلعبون في دكة الاحتياط ولم يدخلو بعد عالم الشغل، وحتى من كان صديقك قبل الدرهم يصبح عدوك بعدها، حكى لي أحدهم أن مجموعة من الأساتذة الشباب كانوا متحدين متعاونين قبل أن يقبضوا أول راتب، وما إن قبضوا مهيتهم الأولى حتى أعرض الكل عن الكل، وكل واحد أصبح له وجهة هو موليها، فتجد من يتفاخر بملبسه الجميل، ومن يتباهى بسيارته التي أخدها بأقساط ربوية! ومن يحاكي القيم الغربية، ومن يتأفف من البؤساء الذين يلاقيهم في الغداة والعشية.

الكثيرون اندثروا بعد الوظيفة، فأصبحوا مجرد ماكينات سحب لعوائلهم وزوجاتهم، يجمعون المال فيصرفونه ولا يأبه أحدهم بتطوره العلمي أو الروحي، ما يهمه هو الرقي المادي وإن كان على حساب القيم والمبادئ، وأي قيم ومبادئ تؤطر هذا العصر، الكل يحاول أن يجرك للمقصلة، جرب أن تنتقد الربا سيهاجمك الجميع لأنك قديم ولست معاصر، جرب أن تلبس الجلباب سيظنك الكل أنك ما عدت من ذوي الألباب، جرب وجرب كل ما هو قيمي، سينطق الجميع بصوت واحد، حكم القوي، نعم الظروف هي الخصم وهي الحكم، هي من تدفع الناس للمحرمات هي من تجعلك تشتري منزلا بالربا وسيارة بالتقسيط وهي من تجعلك تكذب وتجادل في أمور لا شأن لك بها،(هذه حجج الكثير من الخلق، يبررون الواقع بها).

عزيزي الموظف جرب أن تجلس مع نفسك لتحلل معنى مسماك الوظيفي، موظف تعني أنك مستخدم ومستعمل لتحقيق غرض معين في شتى مجالات الحياة ولا تملك منهجًا ولا رؤية غير ما وضع لك، فكف من فضلك عن التباهي بمنصبك فلست أفضل الناس ولست سيدهم فسيد الناس خادمهم، وإياك عزيزي الموظف أن تتوقف عن التأمل والتفكير إياك أن تتوقف عن التعلم والتطوير فإن فعلت ذلك ستموت قبل أن يداهمك قدر القدير.

العقلية المجتمعية: تطويق الطموحات وتبخيس للمجهودات

ذكر له أنه اشتغل فتعجب مما سمع وبُهِت الذي كفر(تعبير مجازي) ، وكأنه يريد الإنسان أن يظل غواصًا في براثن البطالة، ينتظر أن يجود عليهم أحدهم بماله، أن يكرمه أحدهم بمكرماته، أما الآخر فسأله هل ستظل جالسًا في منزلك بعد أن تحصل على الشهادة، وكأنه يخاف أن تخرج للناس بعلمك! أو أن تشتغل فتكفي نفسك، إنه مجتمع ينتظرك أن تسقط تتهاوى من فوق الدرج، ليستمتع بمنظرك الكئيب وأنت تلبس الحديد بعد أن كسرت أضلاعك، وهل هناك كسر أقوى من كسرالفقر والفاقة، حينما تجد نفسك عالة على الخلائق، أليس النبي داوود كان يأكل من عمل يده، وهناك من يحب أن يراك تمد يدك، ويرتاح ويستمتع بهكذا منظر بئيس، هناك من يبخس طموحاتك مهما علت يهدمها، بل تجده يتساءل هل شهادتك موثقة من عند السلطات التربوية ولا يعلم اننا في عصر التقنية، حيث باب العلم مفتوح على مصراعيه لصغير القوم وكبيرهم، وباب الجهل أيضا، فالتفاهة تزاحم النباهة.
أما معضلة النقد لأجل النقد فتلك طامة كبرى، فهناك من يقتفي أثرك في كل حين لينتقد زلاتك وعثراتك أما الأدهى والأمر هو من يتبع عثرات العلماء و المصلحين ليستهزئ بهم بين حين وحين، وكأنهم معصومين ومنزهين عن كل نقص، أليس الكمال لله، أليست الذكاءات انواع، فلماذا يا أخي تحسد من تفوق في مجال وتحب أن تهدم في بضع ساعات ما بناه في سنوات، ابحث عن شغفك ومجالك واعمل ليل نهار عساك تحوز منزلة مع الكبار.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى