ثقافة وفنون
أحدث المقالات

تذكرة على متن السفينة الملعونة!

في عام 1997 عُرض الفيلم الشهير ”تيتانيك”، من بطولة ليوناردو دي كابريو وكيت وينسلت، كتبه وأنتجه وأخرجه چيمس كاميرون، وهو يحكي وقائع غرق السفينة المعروفة من خلال قصة الحب الجارف الذي جمع بين الشاب الفقير ”چاك” والفتاة الجميلة الثرية ”روز”، ويُقال إن أحداث الفيلم مأخوذة عن قصة حقيقية دارت أحداثها بالفعل على متن السفينة التي غرقت في اليوم الرابع من إبحارها وفي أول رحلة عمل لها، بعد اصطدامها بجبل جليدي في المحيط الأطلسي، ولم تستغرق عملية الغرق سوى ساعتين وأربعين دقيقة، رغم أنها كانت توصف بأضخم وأفخم سفينة في زمانها.

حقق الفيلم إيرادات مهولة بمقاييس التسعينات، وحاز على جوائز عالمية كتعددة، وبالطبع شاهده المصريون والعرب مثلهم مثل سكان كوكب الأرض، ولم يكن أحد يعلم أو حتى يتخيل أن مجموعة من العرب كانوا ضمن ركاب تلك السفينة المنكوبة في رحلتها الأولى والأخيرة، منهم من نجا مع الناجين ومنهم من قضى نحبه غرقا مع حطامها في قاع المحيط.

الاكتشاف الأكبر هو أن شابا مصريا اسمه ”حمد حسب بريّك” كان على متن تلك السفينة، وكان تواجده من خلال دعوة قدمها له أصدقاء من أمريكا كان قد تعرّف بهم من خلال عمله كمرشد سياحي، أو ”ترجمان” بحسب مصطلحات ذلك الزمن، لهم في زياراتهم المتكررة إلى مصر.

الاكتشاف جاء بفضل بحث وجهد وعمل استغرق شهورا طويلة من الكاتبة والصحفية المصرية ”ياسمين سعد”، التي استطاعت التوصل إلى شخصية ذلك المصري المجهول وأثبتت بكل الأدلة أنه كان ضمن المسافرين على السفينة المشهورة، على الرغم من أنه لا توجد أي معلومة تؤكد ذلك، لا في الصحافة المصرية ولا العالمية ولا حتى في الموقع الرسمي للسفينة الذي يورد أسماء كل من كانوا على متنها وقت غرقها.

لكن الصحفية لم تستطع أن تصل لأية معلومة عن رحلة ذلك المصري الغامض ولا تفاصيل أيامه على السفينة بصحبة أصدقائه الأمريكان، ولا حتى ظروف ونجاته، حيث التزم الصمت تماما طيلة حياته، بعد عودته من أمريكا، ولم يتحدث عن ما رآه وعاشه حتى وافته المنية عام 1965 في بيته بالهرم.

الخيال يُعوّض عن الواقع

وبالرغم من الاكتشاف التاريخي المهم الذي قدمته ياسمين سعد في تحقيقها، ومنها حوارا مطوّلا مع أحفاد “حمد حسب” إلا أنه ظلت هناك فجوة أو فجوات في القصة، فلا أحد يعرف على وجه الدقة ماذا حدث له ومعه عندما غادر مصر بصحبة أصدقائه، هاري وميرا هاربر، حيث استقلوا السفينة العملاقة، ثم اختفائه لمدة ثلاث سنوات كاملة في أمريكا، ثم عودته، ومن هنا كانت فكرة تقديم القصة من خلال عمل رولئي، وهي نصيحة من الكاتب الكبير الراحل مكاوي سعيد للصحفية الشابة.

ومن الواضح أنه بدون نصيحة كاتب كبير فإن ياسمين كانت ستقدم على كتابة ”قصتها” مع ذلك المصري الغامض، تحت أي شكل من الأشكال الإبداعية، فكما هو واضح فإن هناك ”علاقة” ما، فكرية أو ذهنية وربما عاطفية ربطت بينها وبين بطل قصتها، وهذا طبيعي ومفهوم، خصوصا وأنها قضت 3 سنوات كاملة من عمرها في تقصي أثر ذلك المصري المجهول.

ومن خلال الرواية، التي صدرت مؤخرا في القاهرة عن دار تويا للنشر والتوزيع في 248 صفحة، تركت الكاتبة العنان لخيالها في ربط الأحداث ببعضها، وقدمت تصورها لما يمكن اعتباره تفسيرا مقبولا للأحداث منذ قبول ”حمد” هدية أصدقائه الأمريكان، والتي كانت عبارة عن تذكرة في الدرجة الأولى على متن تيتانيك، في رحلتها الأولى من أوروبا إلى أمريكا.

في تحقيقها الصحفي افترضت ياسمين عدة افتراضات منطقية دعت ”الترجمان المصري” لمغادرة البلاد مع صديقيه، منها مثلا أنه كان مغرما بالسفر والترحال لبلاد الشمال الأوروبية، وفي ذلك الوقت كانت الدعاية عن ”تيتانيك” تملأ الدنيا بأسرها، فهي بحسب تكاليف بناءها وامكاناتها كانت ”أعجوبة” القرن، وبالتالي وبحسب شخصية بطلنا فإن ذلك كان سببا وجيها ومقبولا كي يسافر ويترك كل شيء خلفه، حتى زوجته الحامل، ففرصة الحصول على مكان على متن تيتانيك تكاد تكون معدومة له ولأمثاله من المصريين.

لكن الكاتبة في روايتها قدمت سببا آخر، حيث كانت تلك هي رغبة ”ميرا” كي تكون بصحبة ذلك المصري حيث كانت عاشقة متيمة به، وهي فكرة عاطفية للغاية، بغض النظر عن مشروعيتها، تناسب الأجواء الرومانسية التي كان الجميع يتخيلها عن الحياة على متن السفينة العملاقة، وهي ربما الأجواء التي انطبعت في ذهن الكثيرين حول العالم كما تم تصويرها في الفيلم الشهير.

عرب تيتانيك

على جانب آخر أفردت الكاتبة جزءا كبيرا للحديث عن ”عرب تيتانيك”، وكلهم كانوا من لبنان استطاعوا الحصول على تذكرة في الدرجة الثالثة على السفينة، وهدفهم الهجرة نحو العالم الجديد، وكل واحد فيهم يحمل قصة سابقة حزينة في بلده، وحلمهم نسيانها والبدء من جديد في قارة جديدة.

وبطبيعة الحال تنشأ علاقة ود بينهم وبين ”حمد” المصري، وكان لابد أن تقع ”فطيمة” في حبه، وبالتالي يدور صراع خفي بينها وبين السيدة الأميركية التي ما كادت تتخلّص من زوجته ”فاطمة” في مصر حتى ظهرت لها تلك ”اللبنانية”، وفي كل الأحوال لا ولن نعرف أبدا مشاعر بطلنا الحقيقية ناحيتهما، لكن بشكلٍ خفي نستطيع ملاحظة أنه كان مستمتعاً بما يدور حوله وعنه من تنافس، وللأسف لم يكن الوقت حليفه، ففي اليوم الرابع من إبحارها في المحيط اصطدمت تيتانيك بجبل جليدي ضخم وغرقت، ومعها غرقت أحلام جميع أبطال الرواية، ولم ينجو سوى حمد وفطيمة وميرا وهنري وبنورة، وبسبب هول ما عاشوه في تلك التجربة فإن أحدا منهم لم ينجح أحد في استعادة أحلامه مرة أخرى.

نجحت الكاتبة لحد بعيد في تصوير أجواء الحياة على متن السفينة، رغم المدة القصيرة التي استغرقتها الأحداث وهي أربعة أيام لا غير، ولعلها نجحت أيضا في تقديم شخصيات روايتها بحيث لا نملك إلا أن نتعاطف معها كلها بلا استثناء، حتى ”ميرا” الأميركية التي أخفت ”حمد” لمدة ثلاث سنوات بعيدا عن وطنه وزوجته وولده، وإذا كان هناك ”جاني” في الرواية فهو: الحب، الذي ما إن يدق القلوب حتى تعمي الأبصار!

في المجمل هذه رواية متميزة، وجديرة بالقراءة، على الرغم من بعض الهفوات اللغوية، وكذلك وضع علامات الترقيم والفواصل بين الجُمل، ولا أعرف إن كانت تلك الأخطاء موجودة في النسخة الورقية أم لا، لأني قرأتها في نسخة إلكترونية على أحد المواقع.

طاهر عبد الرحمن

أقرأ التاريخ لأفهم المستقبل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى