مال وأعمال

هكذا أثر وباء كورونا على السوق العقاري في مصر والعالم

تغيرت معالم معظم دول العالم خلال الأسابيع القليلة الماضية بعد انتشار فيروس كورونا المستجد “COVID-19″، وإعلان منظمة الصحة العالمية الفيروس وباءً بشكل رسمي، وتبعت تلك الأحداث تداعيات جذرية في العديد من دول العالم -خاصة مع التصاعد الجنوني لانتشار الفيروس وتأثيره- كان لها بالغ الأثر على معظم مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية وحتى الدينية، ولكن التأثير الأقوى ظهر جلياً في الناحية الاقتصادية التي طالت الجميع أفراداً وحكومات وقطاعات أعمال مختلفة، ومع تلك الأحداث المتلاحقة بدأ الكثير منا يتسائل عن تأثير وباء كورونا على السوق العقاري بشكل خاص من هذه التداعيات خاصة بالنسبة للمستثمرين.

في البداية يجب أن نفهم طبيعة السوق العقاري حتى نتمكن من فهم ما حدث والمتوقع حدوثه في الفترة القادمة سواء خلال الأزمة أو بعد الأزمة.

أولًا: الطبيعة العامة للسوق العقاري

السوق العقاري بشكل عام سوق “بطئ رد الفعل” على الأوضاع والمتغيرات الاقتصادية، حيث يعتبر السوق العقاري من الأسواق المعروفة بــ (illiquid market)، وهو ما يعتبره البعض مشكلة لوجود قيود ومعوقات إجبارية -ناتجة عن طبيعة السوق- في اتخاذ قرارات سريعة خاصة بالتعامل مع العقارات.

فمثلاً في حالة احتياجك لسيولة مادية نتيجة ظروف قاهرة (مثل الوضع الحالي)، فأنت لا يمكنك بيع جزء من وحدتك (غرفة مثلا في شقتك)، وإذا لجأت لاتخاذ قرار بيع العقار، فالعثور على مشتري مناسب للعقار بسعر مناسب لك إلى جانب إجراءات بيع العقار ستأخذ منك وقتاً ليس بالقليل، لكن البعض يعتبر هذا الأمر من أحدى مزايا السوق العقاري خاصة في أوقات الأزمات، فالإنسان يخضع لسيطرة عاطفته بشكل أكبر في أوقات الأزمات، وهو ما يدفعه لاتخاذ قرارات متسرعة ومندفعة تحت تأثير تلك العاطفة من قلق وخوف من ما هو قادم.

وهو ما يمثل مشكلة ومعضلة للكثير من  الأسواق الأخرى مثل سوق الأسهم على سبيل المثال، الذي تستطيع أن تجري به عمليات البيع والشراء في ثواني وبإجراءات بسيطة للغاية، وهو ما يجعل سوق الأسهم من أكثر وأسرع الأسواق تأثراً بالأزمات بشكل سلبي واسع على مستوى العالم، وهو ما لاحظناه بشكل واضح من انهيار للعديد من البورصات في العالم بمجرد بداية وانتشار الأزمة، ويرجع ذلك إلى قلق الكثيرين من تفاقم الخسائر وزيادتها إلى جانب سيطرة عاطفة القلق والخوف عليهم، ومع سهولة التعاملات من بيع وشراء في البورصة يحدث ما شاهدناه من عمليات بيع كبيرة تضرب البورصة في مقتل.

ثانياً: كيف تؤثر كورونا على السوق العقاري ؟

السوق العقاري خلال الأزمة

لا شك أن مجال العقارات سيتأثر سلباً مثل كافة قطاعات الأعمال ومجالات الاستثمار، ولكن بشكل أقل نسبياً من الأسواق الأخرى، وتظهر تلك التأثيرات كما يلي:

  • وجود ركود عام في حركة معاملات السوق العقاري، ناتج عن التوقف الإجباري لعمليات البيع والشراء إلى جانب حالة الترقب التي تسود الموقف حاليًا للمتغيرات المتلاحقة يومياً.
  • تعثرات مادية في سداد الأقساط المستحقة للعقارات والوحدات السكنية خاصة الأقساط الكبيرة، نتيجة توقف معظم الأعمال وفقدان العديد لوظائفهم، وعدم استقرار الدخل خلال الفترة الحالية والقادمة، وهو ما سيؤثر سلباً على الشركات العقارية خاصة الصغيرة والمتوسطة.
  • تعثرات مادية في سداد الإيجارات للعقارات المستأجرة قد تستمر لعدة أشهر، إلى جانب انتقال متوقع من العقارات المرتفعة الإيجار والبحث على بدائل إيجارية أقل أو بدائل سكنية أخرى.
  • تضرر واضح على سوق العقارات التجارية والصناعية خاصة المملوكة لمستثمرين أجانب، والتي ستتأثر بشكل مباشر بتوقف الأعمال خاصة إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة.
  • تضرر القطاعات التجارية والصناعية سيؤثر أيضاً بشكل مباشر على العقارات المؤجرة لموظفين الشركات أو العمالة، من حيث تعثر السداد أو فسخ العقود.
  • تعطل العديد من المشاريع العقارية تحت الإنشاء نتيجة التوقف الحالي، وبالتالي وجود تأخيرات متباينة في تسليم المشاريع عن مواعيدها المعلنة والمتفق عليها مع العملاء، خاصة إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة.
  • لن تتأثر أسعار العقارات بشكل كبير خلال الأزمة، نعم سيكون هناك تراجع في أسعار العقارات والقيمة الإيجارية للعقارات المؤجرة خلال الأزمة، ولكنه لن يكون تراجعاً كبيراً، وهو يرجع إلى ما ذكرناه سابقاً من طبيعة السوق العقاري، وبُطء تفاعل السوق العقاري مع الأزمات بشكل عام.
  • وجود حركة بيع وشراء محدودة للغاية خلال الأزمة تنحصر في نوعين؛ النوع الأول: الراغبين في البيع لظروف قهرية نتيجة التأثيرات السلبية على الحياة العملية واحتياجهم لسيولة مادية، والنوع الثاني: بعض أصحاب رؤوس الأموال (مستثمري الأزمات) الذين يقومون باقتناص الفرصة وشراء بعض العقارات المميزة (غالباً من النوع الأول “الراغبين في البيع لظروف قهرية”).

توقعات السوق العقاري بعد الأزمة:

سيكون هناك تحديثات متباينة في المعاملات العقارية بين الشركات العقارية والمتعاقدين الحاليين، قد يتتبعها تحديث بعض بنود التعاقد من كيفية سداد الأقساط المتأخرة- تحديث موعد التسليم.

  • ستكون هناك تغييرات في المعاملات العقارية بين الشركات العقارية والراغبين في الشراء، فالتسهيلات الماضية قبل الأزمة -من حجز الوحدة العقارية بمقدم نسبته تصل لـ 10% من قيمة الوحدة ودفع الباقي على مدد زمنية تصل لعشر سنوات- أعتقد أنها لن تكون متاحة خلال فترة ما بعد الأزمة، وستلجأ العديد من الشركات العقارية لزيادة القيمة المالية المقدمة لشراء الوحدة السكنية، مع تقليل مدة التسهيلات المتاحة والبحث عن أدوات تسويقية مختلفة لجذب العملاء الجدد مثل تخفيض الأسعار بنسبة.
  • انتقال رؤوس الأموال من الأسواق المضطربة مثل سوق الأسهم على سبيل المثال إلى السوق العقاري، لأن السوق العقاري رغم السلبيات المذكورة والتضررات التي ستحدث له سيظل هو البديل الاستثماري الأكثر أماناً والأقل تضرراً مقارنة ببدائل الاستثمار الأخرى (هناك مقالة خاصة بمقارنة البدائل الاستثمارية المختلفة).
  • دخول رؤوس الأموال للعائدين من الخارج إلى السوق العقاري كوعاء استثماري أكثر أماناً واستقراراً من البدائل الأخرى (طبعا في حالة قدرتهم على العودة أساساً بأموال بعد الاستنزاف المالي للمصريين في الخارج).
  • تعامل الشركات مع عملائها خلال فترة الأزمة، ومرونة الشركات ومصداقيتها ومدى تفاعلها خلال الأزمة سيكون له أثر كبير على توجه العملاء الجدد في اختيار الشركات عند الشراء بعد الأزمة.
  • الاستثمار في العقارات السكنية سيكون المفضل خلال فترة ما بعد الأزمة؛ لأن ومع تأثر العقارات بشكل عام بالأزمة إلا أن الطلب على العقارات السكنية لن يتوقف أبداً -وإن قل لفترة معينة- لأسباب عديدة، فعلى سبيل المثال عدد الزيجات سنوياً في مصر يصل إلى 800 ألف حالة زواج تتطلب وحدات عقارية جديدة ما بين شراء أو إيجار.
  • تجربة الحظر وجلوس الناس فترات طويلة في منازلهم جعلتهم يعيدون اكتشاف منازلهم من جديد، واكتشاف رغباتهم في مواصفات معينة في منازلهم، مثلا الشرفات (البلكونات)، الكثير اعتبروا وجود بلكونة أو إطلالة جيدة أو منطقة خضراء محيطة بالمنزل متنفس ممتاز أثناء فترة تواجدهم في المنازل، وهو ما سيؤثر على المواصفات المطلوبة بعد كورونا بالنسبة إلى السوق العقاري والعقارات المطلوبة بعد الأزمة.
  • من المتوقع أن العقارات التجارية ستكون الأكثر تضرراً في مرحلة ما بعد كورونا رغم التوقعات بعودة السوق العقاري والحياة وعجلة الإنتاج بقوة بعد انتهاء الأزمة إن شاء الله، نظراً للتعطش الذي سيكون موجودًا، فالسوق بعد انتهاء الأزمة وذلك لعدة أسباب:
  • من تجارب الأزمات السابقة نجد على سبيل المثال في الأزمة الاقتصادية عام 2008، ظهر هبوط حاد في أسعار العقارات الغير سكنية (تجارية وصناعية) عن العقارات السكنية، في أوروبا أظهرت إحصائيات بعد أزمة 2008 هبوط العقارات الغير سكنية حوالي 12% مقابل 5% للعقارات السكنية.
  • الكثير من أصحاب الأعمال سيكون شديد الحذر في أي توسعات مستقبلية.
  • الكثير سيلجأ إلى البحث عن بدائل أقل تكلفة لمواجهة تبعات الأزمة اقتصادياً.
  • آلية العمل عن بُعد خلال فترة الأزمة سيفتح آفاقًا جديدة، ويُعيد اكتشاف العمل عن بُعد في العديد من قطاعات الأعمال، مما سيؤثر بشكل مباشر على توفير مساحات العمل المطلوبة، وبالتالي الطلب على العقارات المطلوبة.

ثالثاً: توصيات واقتراحات

للمتعاقدين والمستأجرين:

  • في حالة توفر السيولة خلال الأزمة وإمكانية سداد التزاماتك المالية، لا تتردد إطلاقًا في دفع الأقساط أو الإيجارات المستحقة؛ لأن تأخير أو تأجيل سداد الدفعات المستحقة لا يعفيك من دفعها فيما بعد، وسيكون الأمر أكثر صعوبة في الدفع لتراكم الالتزامات والديون في أكثر من اتجاه.

لملاك العقارات المؤجرة:

  • من المهم أن تحافظ على المستأجرين لديك قدر ما تستطيع، خاصة إذا كان عقارك مؤجرًا بأسعار مرتفعة، فالخسارة التي من ممكن أن تتعرض لها على المدى القصير من عدم دفع الإيجارات أو تأجيلها ستكون أقل ضرراً بكثير من خروج المستأجرين من عقارك، خاصة المستأجرين القدامى والملتزمين، فالعثور على مستأجر مناسب وملتزم معك سيكون أكثر صعوبة من أي وقت مضى، وسيكون البحث عن بدائل إيجارية أقل تكلفة ومؤجرين أكثر مرونة وتفهمًا للوضع الحالي.
  • من المهم أن تراعي عدم استقرار الدخل للكثير من المستأجرين خلال الأزمة، فالعديد فقدوا وظائفهم، والبعض انخفضت رواتبهم، والآخر في حالة ترقب من اضطراب سوق العمل، بالتالي سيكون الأمر رائعاً -لك ولهم- إذا قررت إعفائهم من الإيجارات المستحقة لمدة شهر أو اثنين أو تأجيل الإيجارات المستحقة ودفع نسبة منها مع الإيجارات القادمة.

المستثمرين:

  • الكثير من المستثمرين يعلمون جيداً أن فترة الأزمات تُعد من الفترات المثالية لاقتناص الفرص الواعدة، لذلك إذا كنت تمتلك “فائضًا من رأس المال”، فابحث عن تلك الفرص، ورغم تأثير كورونا على سوق العقارات بشكل سلبي فإنها تظل البديل الاستثماري الأكثر أماناً والأقل تضرراً.
  • ابحث عن العقارات المميزة التي قد تكون معروضة بأسعار أقل من أسعارها السوقية، نتيجة رغبة أصحابها في سرعة بيعها.
  • من قواعد الاستثمار المتعارف عليها أن المستثمر “لا يضع البيض كله في سلة واحدة”، والمعنى أنك لا تضع كل استثماراتك في عقار واحد أو نوع واحد من العقارات مثلاً -إذا كنت تمتلك رأس المال الذي يغطي أكثر من استثمار- بل يجب أن تُنوّع من استثماراتك في أكثر من اتجاه سواء داخل العقارات أو خارجها.
  • ابحث عن الشراكات المثمرة خلال الأزمة وما بعدها، دائماً تشهد قطاعات الأعمال المختلفة عمليات شراكة ودمج خلال الأزمات وبعدها، للقدرة على الخروج من التبعات الاقتصادية بأقل الخسائر، أو تعظيم استثمار نتائج الأزمة بشكل مناسب وأكثر ربحاً.
  • تجنب الاستثمار في العقارات التجارية أو الغير السكنية عامة، خاصة إذا كنت تنتظر منها عائداً على المدى القريب؛ لأن قطاع العقارات التجارية من المتوقع أنه سيكون الأكثر تضرراً خلال الأزمة وما بعدها.
  • من الأفضل الاستثمار في العقارات السكنية للأسباب المذكورة سابقاً في توقعات ما بعد كورونا فيما يخص السوق العقاري ، مع مراعاة التحديث الذي سيطرأ على رغبات العملاء بعد الأزمة وتأثيراته على اختياراتهم.

الشركات العقارية:

  • يجب أن تراجع الشركات العقارية من الآن خططها للمشاريع الخاصة بها، وتُقيم بشكل صادق تأثير هذه الأزمة عليها وعلى مشاريعها وعملائها من خلال سيناريوهات مختلفة، وتطرح هذه النتائج بشكل واضح وبشفافية على عملائها ومنتسبيها.
  • مناقشة العملاء وفتح دائرة حوار للوصول إلى اتفاق عن آلية سداد المستحقات خلال الفترة الحالية والقادمة، بما يناسب الأوضاع العامة للعملاء وحالة الشركة وقدرتها على تحمل التأخيرات والتعثرات.
  • يجب أن تحافظ على عملائك قدر ما تستطيع، وأن تتعامل معهم باحترافية ومهنية ومصداقية، فآلية تعاملك مع عملائك خلال الأزمة ومرونتك معهم وتقديرك لهم سيخلق ولاء غير مسبوق لشركتك، والذي سيكون أقوى وسيلة تسويق لشركتك خلال الأزمة للعملاء الحاليين وبعد الأزمة للعملاء الجدد.
  • يجب البحث عن وسائل تسويقية مختلفة لمشاريع الشركة، وابتكار أدوات لتسويق عقاراتك عن بُعد، وبشكل يصل للعميل بوضوح، وإعطاء بعض الضمانات والمحفزات لجذب العملاء، وتحديد شريحة العملاء المستهدفة في تلك الفترة بشكل صحيح.

مُلاك العقارات والوحدات العقارية (الأفراد):

  • تجنب بيع عقارك خلال فترة الأزمات قدر ما تستطيع، ولا تلجأ لذلك الاختيار إلا للضرورة القصوى، فالمشتري خلال هذه الفترة سيستثمر الوضع الحالي لصالحه بأقصى ما يستطيع.

في النهاية

ندعو الله عز وجل أن يرفع عنا البلاء والوباء، وما تم استعراضه من توقعات سواء خلال أزمة كورونا أو بعدها عن السوق العقاري هي رأي شخصي معتمد على التجارب والخبرات السابقة، ونتائج الأزمات السابقة مثل أزمة 2008 وما بعدها، والشاهد والأكيد من ما سبق أن تعاملك مع الأزمة هو ما ستحصل عليه بعد الأزمة، ولا تضع الاعتبارات المادية فقط في حلولك للأزمة، واجعل الاعتبارات الإنسانية في المقدمة عند استعراض حلولك للأزمة على كافة المستويات.

 

قد يهمك أيضًا : هل يجب دعم الأنشطة الاقتصادية أثناء جائحة كورونا أم تعليقها؟

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد العناني

أكثر من 10 سنوات في قطاع العقارات ، اكتسبت من خلالها وجهات نظر وخبرات مختلفة في هذا المجال. هدفي هو زيادة الوعي بالسوق العقاري ومعاملاته خاصة للمشتري والمستثمر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق