ثقافة وفنون

تجليات المنحنى السياسي في حياة الشاعر محمد الجواهري

نشأ المنحنى السياسي في حياة الشاعر محمد الجواهري بعد اعتلاء الملك فيصل الأول سدة الحكم في العراق بإيعاز من الإنجليز. كان الجواهري آنذاك مدعومًا من طرف القيادة العراقية فقد كان الملك فيصل معجبًا به غاية الإعجاب مما أدى إلى جعله ضمن حاشيته بتوظيفه في قسم التشريفات، كان حبيب الملك ومُدَلَّلَه ولكنه لم يغتنم قيمة تلك المرتبة الرفيعة التي كان فيها فقد اندفع وراء فورة الشباب وهوس الشعر فمضى ينشر تارة قصائدًا ينتقد فيها العلماء وثراءهم الفاحش وتارة أخرى ينظم قصائدًا في الغزل الصارخ والتي كانت مخالفة للمتعارف عليه من الأعراف الحياتية وفنون الكتابة من قبيل [جربيني/أفروديت/النزعة] حذره الملك في غير ما مرة ولكنه شديد العناد وسريع الخطى نحو رغباته النفسية.

لقد شكلت رغبة الشاعر محمد الجواهري في إنشاء جريدة عاملًا قويًا لفساد الصلة بينه وبين الملك، فقد قدم استقالته وطلب الامتياز لصحيفته الفرات من وزير الداخلية وبالفعل تم له ذلك، إلا أن الجواهري كتب قصيدة ينصح فيها نوري السعيد رئيس وزراء الملك فيصل ويحدثه عن حساسية ذلك المنصب فاعتبرها نوري السعيد قصيدة مدح فأصبحت الجريدة تابعة لتوجهاته بدلًا عن الملك.

شاءت الأقدار أن يغلق هذا المنبر الجواهريُّ من طرف الدولة لأسباب قد يطول شرحها وتم إعادة الجواهري لمزاولة مهنة التدريس في المدارس كما كان يفعل في السابق وذلك بعد انقطاعه عن أي عمل لمدة ثلاث سنوات، وفي سنة 1936 اندلع أول انقلاب في تاريخ الشرق الأوسط بقيادة بكري صدقي الذي أعلن انقلابه على حكومة نوري السعيد. فوجد الجواهري فرصته السانحة للانتقام فما كان منه إلا أن أيد الانقلاب بل إنه فتح جريدته من جديد وغير اسمها من “الفرات” إلى “الانقلاب” وأصدر قصيدة داعمة لبكر صدقي تحت عنوان: “تحرك اللحد” وسنورد لكم بعض الأبيات منها:

كِلُوا إلى الغَيبِ ما يأتي به القَدَر واستَقبلوا يومَكُمْ بالعزمِ وابتدروا
وصَدِّقُوا مُخْبِراً عن حُسْنِ مُنْقلَبٍ وآزِرُوه عسى أنْ يَصْدُقَ الخَبَرُ
لا تَتْرُكوا اليأسَ يَلقى في نُفوسكم لَه مَدَبَّاً ولا يأخُذْكُمُ الخَوَر
إنَّ الوساوِسَ إنْ رامَتْ مَسارِبَها سَدَّ الطريقَ عليها الحازِمُ الحَذِر
تَذكَّروا أمس واستوُحوا مَساوئهُ فقد تكون لكم في طيه عبر
مُدُّوا جَماجِمَكمْ جِسراً إلى أملٍ تُحاوِلونَ وشُقُوا الدربَ واخْتَصِروا
وأجمِعوا امرَكُم يَنْهَضْ بسعيِكُمُ شَعبٌ إلى هِمَمِ الساعينَ مُفْتَقِر

وبعد مدة استعادت حكومة نوري السعيد سلطتها فحاول الأمير عبد الإله تحفيز الجواهري على إعادة فتح جريدته باسمها القديم “الفرات” ولكنه رفض رفضًا قطعيًا أن يؤتمر بأمره.

شكل انشغال الجواهري بالواقع السياسي منحنى هامًا في تاريخ شعره ولولاه لظل حبيس التجربة الوجدانية رهين لواعج الذات وسجينها. ومن باب إنصاف هذه الشخصية التاريخية التي تختزن في سيرتها مجمل التحولات السياسية الكبرى في العراق نقول: إن الجواهري كان طيلة حياته مستعليًا على الحكام ورؤوفا بالبسطاء من أبناء شعبه، ينصّب نفسه محاميًا يدافع عن مصالحهم ومناهضًا لكل أسباب شقائهم فحتى حينما ترشح للانتخابات سنتي 1936 و1944 كان مرامه الحصول على مقعد في المجلس النيابي بتفويض من الشعب ورفض المرور إليه عبر الطرق الملتوية التي كانت شارعة أحضانها له في ذلك الحين.

احتضن الجواهري ثورة الرابع عشر من تموز المندلعة سنة 1958 والتي تم فيها إسقاط المملكة الهاشمية بالعراق، ظلت أشعاره الثورية تتردد في كل الميادين الغاضبة، وتشكلت منها أجود الشعارات التي يصدح بها الثوار في التحرير والسنك والنجف والخلاني والناصرية وكربلاء.

ألف الشاعر محمد الجواهري ثلة من القصائد المؤيدة للثورة ومن أشعرها باسم الشعب وجيش العراق وقد منحته شهرة تلك الأعمال الثورية في مطلع حركة تموز لقب “شاعر الثورة.

ابتسمت الحياة من جديد في وجه الجواهري بعد عبوس طويل فأعاد فتح جريدته وأطلق عليها تسمية الرأي العام والتي نهج فيها نهج التوجه الجمهوري فكانت داعمة لرجالات الثورة، بل إنها آنذاك كانت أجرؤ الصحف في عصرها وأكثرها إقناعًا للرأي العام بمناصرة الفكر الثوري.

كان الجواهري في أواخر الخمسينات من القرن الماضي يتمتع بحظوة عند الوزير عبد الكريم القاسم زعيم الثورة الذي سبق أن التقى به في لندن، وصفت صحيفة le monde الفرنسية تلك الحظوة قائلة: إنه أقرب شخصية من الزعيم.

لقد كان يخصه بمحبة عظيمة، يلبي طلباته بل ينفذها كما لو أنها كانت أوامر، يخفض له جناح الذل من التواضع، يزوره في بيته ويتودد إليه. لكن علاقتهما التي كانت مثار حسد وحقد من لدن البعض لم يكتب لبدرها الاكتمال على سماء التاريخ فسرعان ما دبت منار الفتنة بينهما وذلك حدث بالتحديد في اجتماع لنقابة الأدباء برئاسة الجواهري مع عبد الكريم القاسم طلبًا للميزانية فتشعب النقاش بين عبد الكريم والجواهري إلى أن بلغ درجة الغليان، فذكره الأول بانتمائه السابق لجهاز نوري السعيد وعمله في قسم التشريفات التابع لبلاط الملك فيصل الأول فاستشاط الجواهري غضبًا ومضى ينتقد سياسية الوزير في جريدته مما أدى إلى سجنه ثم إذلاله فإخراجه بكفالة درهم.

أدت تلك الضغوطات السياسية إلى هجرة الجواهري سنة 1961 إلى لبنان تحت ذريعة حضور حفل تنصيب الشاعر بشارة الخوري [الأخطل الصغير] أميرا للشعراء ومن هناك لجأ لجوءًا سياسيًا إلى براغ [تشيكوسلوفاكيا] التي اعتبرها منفاه الأجمل وألف بينها وبين لبنان ودمشق القصائد التي تشكل منها ديوانه بريد الغربة.

بعد سقوط عبد الكريم القاسم؛ عمدت الحكومة العراقية إلى استدعاء شاعر العرب المنفي فأقيمت له تكريمات في جل أنحاء العراق وخصص له راتب شهري تقاعدي.

لابد أن نشير إلى البعد الهجائي في قصيدة [يا دجلة الخير] التي كان يهجو فيها الجواهري عبد الكريم القاسم وهو في غربته قائلًا:

ما تزال سياط البغي ناقعة في مائط الكهر بين الحين والحين
ووالغات خيول البغي مصبحة على القرى آمنين والدهاقين
يا دجلة الخير: أدري بالذي طفحت به مجاريك من فوق إلبى دون
أدري على أي قيطار قد انفجرت انغامك السمر على أنات مخزون
أدري بأنك من ألف مضت هدرا للآن تهزين من حكم السلاطين
تهزين أن لم تزل في الشرق شاردة من النواويس أرواح الفراعين
تهزين من خصب جنات منتشرة على الضفاف، ومن بؤس الملايين

استمر الجواهري في تأرجحه بين براغ والعراق واستغل بعض موقفه من حزب البعث فانتسبت له قصيدة هجائية تحت عنوان: [سل مضجعيك يا ابن الزنا] والتي تهدف إلى النيل من صدام حسين فنفت حفيدته في إحدى البرامج تأليف هذا النص الشعري من طرف جدها.

انتهى المطاف بالجواهري في إحدى مسنشفيات دمشق في 27 من تموز سنة 1997 عن عمر يناهز 98 عامًا ويوم.

وُريَ الثرى شاعر العرب الأكبر بمقبرة الغرباء في السيدة زينب مخلفًا وراءه ثروة شعرية في كل مجالات الشعر سياسة وغزلًا ورثاء ومدحا وهجاء وفخرًا ولكن الجانب السياسي هو المحرك الأساسي لشاعرية الجواهري فقد منحه رمزية العظمة تفضيلًا وتكريمًا عن كل شعراء عصره ومكنه من الإمساك بيد الحاكمين والمحكومين بنفس الحين.

من شمال طنجة إلى جنوب الخليج يكاد لا يوجد منهج تعليمي خال من قصيدة لهذا العملاق الذهبي الذي تربت لدى الأجيال المتعاقبة ذائقة متميزة لشعره الذي يمثل فكره السياسي بل إن قصيدته أبناء الخليج التي ألقاها سنة 1979 كانت شعلة حراكية لم تفقد أبدًا توهجها في نفسية الشباب العربي التي طالت كبوتها فقد صارت أبياتها مقول القول في التحدي والإيباء إذ أنه كان ينذر بربيع سياسي مزهر قائلًا:

سينهض من صميم اليأس جيل عنيد البأس
يقايض ما يكون بما يرجى ويعطف ما يراد لما يريد

لقد هبت هذه الأبيات من أسوار القصيدة فتحولت إلى صرخة تخرج من فم دجلة والفرات فيرددها العالم الإنساني بأسره إن لم يكن جهرًا فهمسًا.

اقرأ أيضًا: الأدب وصنائع الأدباء

 

 

هاجر ادبوخليق

هاجر إدبوخليق، مغربية، 23سنة، شاعرة، خريجة المدرسة العليا للأساتذة

‫4 تعليقات

  1. مقال غني جدا أصدقكم القول أنه سافر بي إلى ذلك التاريخ فبت قريبة منه و حاضرة معه.. أسلوب رائع لدرجة الاحتراف.. أحببت كثيرا ما قيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى