علوم وصحة

تجارب الاقتراب من الموت (NDE)

تم وصف التجارب الروحية عند الاقتراب من الموت لآلاف السنين. ومع ذلك، بعد ولادة الطب الحديث للعناية المركزة منذ أربعة عقود، تم صياغة مصطلح “تجاربة الاقتراب من الموت” (NDE). تشير الأبحاث الحالية إلى أنه بغض النظر عن الخلفية الثقافية، فإن البالغين والأطفال الصغار (أقل من 3 سنوات) لديهم وصف تجارب مماثلة مرتبطة بالموت، وتشمل هذه: مشاعر السلام الهائل والحب؛ إحساس بالمرور عبر نفق؛ رؤية ضوء ترحيب دافئ ومشرق يوجه الشخص نحوه؛ لقاء “كائن من الضوء”؛ شعور بالدخول إلى مجال “سماوي” جميل؛ ومقابلة الأقارب المتوفين الذين غالبًا ما يُنظر إليهم على أنهم يحيون الفرد ويرحبون به. تعد مراجعة حياة الشخص منذ الطفولة المبكرة وما بعدها تجربة أخرى شائعة، مثل الشعور بالانفصال عن الجسم والنظر إلى الأسفل من الأعلى، ومراقبة الأحداث أثناء محاولات الإنعاش. تمت الإشارة إلى هذه الظاهرة غالبًا باستخدام مصطلح غير محدد يسمي تجارب الخروج من الجسد (OBEs).

ترتبط هذه التجارب، مثلها مثل التجارب الروحية أو الدينية العميقة، بآثار تحولية ونفسية إيجابية طويلة المدى. غالبًا ما يبلغ الناس عن خوف أقل من الموت؛ شعور أكبر بالإيثار كما يتضح من زيادة الحب والتعاطف والمسؤولية تجاه الآخرين وزيادة الإيمان والاهتمام بمعنى الحياة وقلة الاهتمام بالماديات.

في الأربعين عامًا الماضية، حاول البعض تفسير حدوث تجارب الاقتراب من الموت من حيث حالات الدماغ الفسيولوجية الغير طبيعية. تصنف هذه النظريات إلى حد كبير تجارب الاقتراب من الموت على أنها هلوسات بسبب نقص الأكسجين، ارتفاع نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون في الدم، إفراز هرمونات ونواقل عصبية في الدماغ مثل الإندورفينات والسيروتونين، تنشيط مستقبلات NMDA في الخلايا العصبية للدماغ، تنشيط الفص الصدغي الذي يؤدي إلى نوبات الصرع أو تنشيط الفص الحوفي، حركة العين السريعة؛ التي تحدث بشكل متكرر طبيعياً في الأصحاء. كما تم افتراض نظريات نفسية بديلة، بينما اقترح البعض مؤخرًا أن ما يسمى بإحساس الخروج من الجسد قد يكون وهمًا ناتجًا عن خلل وظيفي في التقاطع الصدغي الجداري. قد تتسبب نشاطات كهربية زائدة في الدماغ بعد أول 30 ثانية بعد السكتة القلبية/الموت بالمعايير القلبية الرئوية في حدوث تجربة الاقتراب من الموت. بشكل عام كل هذه النظريات تعتبر تجارب الاقتراب من الموت هلوسات وأوهام كاستجابة لمجموعة متنوعة من الأحداث العصبية. على الرغم من أن البعض يعتبر أن هذه النظريات تمثل نموذجًا علميًا كافيًا لشرح تجارب الاقتراب من الموت، إلا أن هناك عوامل علمية ومنهجية مهمة تقيد من هذا الافتراض.

أحد القيود هو أن البيانات المستمدة من البحث التجريبي الدقيق لدعم العلاقة السببية المحتملة أو حتى الارتباط بين ما يسمى بتجربة الاقتراب من الموت وهذه التفسيرات الفيسيولوجية المقترحة لا تزال غير متوفرة. القيد الثاني، وربما الأهم، يتعلق بالمبادئ العلمية التي تكمن وراء تحديد الواقع فيما يتعلق بالتجربة البشرية الواعية. الملاحظة التي تشير إلى أن البشر قد يمرون في بعض الأحيان بهلوسات قد تشارك أو لا تشارك ميزات معينة مع تجربة الاقتراب من الموت (مثل الشعور بالسعادة أو السلام)، بعد استخدام العقاقير المهلوسة علي سبيل المثال، دفعت البعض إلى تعريف تجربة الاقتراب من الموت على أنها هلوسة. ومع ذلك، فإن هذا يتعارض مع المبادئ العلمية المعروفة. على وجه الخصوص، فإن الفكرة القائلة بأن “الهلوسة” التي تحدث كاستجابة لمحفز واحد، تعني أن تجربة واعية بشرية أخرى هي أيضًا هلوسة كاستجابة لمحفز آخر، لا تتفق مع المبادئ العلمية التي تحكم تحديد الواقع ولا مع مبدأ السبب والنتيجة.

مثال بسيط لتوضيح هذه النقطة هو تجربة الحب. قد يختبر البشر “الحب” استجابة لمجموعة متنوعة من الظروف. وهذا يشمل العقاقير المهلوسة أو شرب الكحول أو في حالة علاقة الأم والطفل. من الخطأ الافتراض أنه بما أن العوامل المهلوسة يمكن أن تسبب الإحساس بالحب، فإن التجارب الأخرى التي تنطوي على الحب هي أيضًا هلوسة. وبالمثل، لا يمكن للمرء أن يفترض أن حب الشخص حقيقي أو هلوسة بناءً على الارتباطات الحيوية العصبية الأساسية للحب (مثل إفراز الدوبامين والأوكسيتوسين والفازوبريسين) لأن هذه الأشياء متشابهة بغض النظر عما إذا كان الشعور بالحب استجابة لهلوسة أو محفز حقيقي، لا تعني التجربة المهلوسة أن تجربة أخرى هي أيضًا هلوسة.

حدود المصطلح ”اقتراب من الموت”.

تم استخدام مصطلح “الاقتراب من الموت” في الأصل لوصف أي موقف من المحتمل أن يموت فيه الشخص دون تدخل طبي. من منظور طب العناية المركزة الحديث، يعتبر هذا التعريف إشكاليًا. على وجه الخصوص، فإن مصطلح تجربة الاقتراب من الموت يفتقر إلى أي علاقة مع المؤشرات الديناميكية والفسيولوجية المؤكدة لشدة المرض أو الاقتراب الفسيولوجي من الموت.

على الرغم من الإبلاغ عن العديد مما يسمى بتجارب الاقتراب من الموت من قبل الأفراد المصابين بأمراض خطيرة؛ تم الإبلاغ أيضًا عن العديد من التجارب المصنفة على أنها تجارب الاقتراب من الموت من ظروف لا علاقة لها بمرض خطير أو وفاة. لا تحتاج إلى أن تكون “قريبًا من الموت” للحصول على تجربة الاقتراب من الموت. قد يكون المصطلح نفسه أحد العوامل الرئيسية التي تحد من البحث المعياري في تجارب الاقتراب من الموت.

على هذا النحو، قد يكون من الأكثر دقة أن نقترح أن التجارب مع العديد من السمات المشتركة والتي يفسرها المجرب على أنها “روحية” قد تحدث في ظل مجموعة متنوعة من الظروف، ويجب أن نفرق بين تجارب الاقتراب من الموت التي تحدث تحت أي ظرف آخر وبين تجارب الاقتراب من الموت التي تحدث تحت السكتة القلبية، لأن السكتة القلبية تعتبر هي الموت الإكلينيكي، في غضون ثواني قليلة من توقف القلب عن ضخ الدم في الجسم، يتوقف الدماغ عن العمل، فالتجارب التي تحدث ”أثناء السكتة القلبية“ تحديداً لا يمكن أن نسميها تجارب اقتراب من الموت (NDEs) بل يجب أن نسميها تجارب موت فعلية (Actual Death Experiences) (ADEs) لأنه من الناحية التقنية، الشخص المصاب بسكتة قلبية هو شخص ميت وليس شخص علي مقربة من الموت.

التجارب الواعية أثناء السكتة القلبية.

فقط عدد قليل من الدراسات فحصت التجارب العقلية للمرضي أثناء السكتة القلبية، أظهرت الأولي أن 6% من 63 ناجيًا من توقف القلب (أي عادوا من الموت الإكلينيكي بالإنعاش القلبي الرئوي) أبلغوا عن عمليات تفكير واضحة ومنظمة جيدًا، جنبًا إلى جنب مع التفكير المنطقي وتكوين الذاكرة المتوافق مع تجربة الاقتراب من الموت الموصوفة سابقًا. لم يتم العثور علي دليل يدعم علاقة ترابطية بين نقص الأكسجين أو زيادة نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون في الدم أو حصول خلل في توازن الأيونات والتجربة. أجرت دراسة أخرى مقابلات مع 344 من الناجين من توقف القلب من 10 مستشفيات على مدى عامين. هنا أبلغ 12% عن تجارب مشابهة لتلك التي تم ايجادها في الدراسة البريطانية، وأبلغ مريض واحد على الأقل عن إحساس بالانفصال عن الجسم ومراقبة الأحداث التي جرت أثناء محاولة إنعاشه، أكد موظفو المستشفى صحة ادعاءاته (أي أكدوا حدوث الأحداث التي أخبر أنها حصلت أثناء توقف قلبه). نظرًا لأن الذكريات كانت متوافقة مع أحداث حقيقية يمكن التحقق منها، فإن هذا لا يتوافق بشكل واضح مع تجربة مهلوسة أو وهمية. وجدت دراسة أمريكية أجريت على 1595 شخصًا أصيبوا بسكتة قلبية وتمت مقابلتهم في وحدة القلب أن 10% منهم أخبروا عن تجارب مشابهة، وجدت دراسة أمريكية لاحقة أن ما يصل إلى 23% من الناجين من السكتة القلبية أبلغوا عن تجارب الاقتراب من الموت، وأن هذه التجارب حسنت من حياتهم في غضون 6 أشهر.

شملت دراسة “الوعي أثناء الإنعاش” التي قام بها الطبيب سام بارنيا والتي أجريت على مدى 4 سنوات، وفي 15 مستشفى 2060 شخصًا أصيب بالسكتة القلبية. فحصت هذه الدراسة حدوث الإدراك والتذكر وغيرهما من العمليات العقلية أثناء السكتة القلبية، وحاولت التحقق من ادعاءات الوعي المتوافقة مع ما يسمى بـتجربة الخروج من الجسد OBE باستخدام اختبارات محددة (أي فحص ما إذا كان المرضي المنعشين قادرين علي إدراك أحداث واقعية جرت حولهم أثناء السكتة القلبية). أخبر 39% من 140 ناجيًا من السكتة القلبية عن وجود نوع من أنواع الوعي أو الإدراك بدون القدرة علي تذكره. أثارت هذه الملاحظة احتمال أن يكون الوعي وبالتالي التجارب فيما يتعلق بالموت أكثر انتشارًا مما كان متوقعًا في الماضي. وبالتالي، قد يكون لدى بعض الأشخاص وعي/إدراك أثناء السكتة القلبية، لكنهم نسوا فيما بعد تجاربهم عندما يُطلب منهم تذكرها. على الرغم من أن 39 شخصًا كانوا مرضى للغاية بحيث لا يمكنهم متابعة الدراسة، إلا أن 101 كانوا قادرين على إكمال المزيد من الاستبيانات. أبلغ 46% عن ذكريات تحتوي على سبعة ميزات.

كان بعضها لا يتوافق مع الروايات التقليدية لتجارب الاقتراب من الموت. وشملت الفئات السبع: الخوف؛ حيوانات/نباتات؛ ضوء ساطع العنف أو الشعور بالاضطهاد؛ شعور ديجا فو؛ رؤية الأسرة وتذكر الأحداث التي من المحتمل حدوثها بعد الشفاء من السكتة القلبية. أثار هذا احتمال أن تكون تجربة الموت أوسع مما كان يعتقد سابقًا. 9% من الأشخاص لديهم تجارب متوافقة مع تجارب الاقتراب من الموت التقليدية ووصف شخصان “رؤية” و “سماع” الأحداث الفعلية المتعلقة بفترة السكتة القلبية. بينما كان شخص مريض للغاية بحيث لا يمكن التحقق من دقة تجربته، كان لدى الآخر فترة يمكن التحقق منها، وعيه استمر ما يقارب 3-5 دقائق أثناء السكتة القلبية. وهكذا، يبدو أن الإدراك الواعي قد استمر عدة دقائق في الفترة التي يتوقف فيها الدماغ عادة عن العمل ويتوقف فيها نشاط القشرة الدماغية. وبما أن ذكرى هذا المريض كانت تتوافق أيضًا مع أحداث حقيقية يمكن التحقق منها، فقد بدت غير متوافقة مع الهلوسة أو الوهم.

خلصت هذه الدراسة إلى أنه قد يكون هناك نطاق أوسع من الوعي والإدراك أثناء السكتة القلبية مما هو واضح عندما يُطلب من الناجين استرجاع ذكرياتهم من خلال التذكر الصريح وحده. في أحد طرفي الطيف، لا يوجد تذكر بينما، على الطرف الآخر، يُظهر 2% وعيًا كاملًا متوافقًا مع تذكر الأحداث الحقيقية التي جرت أثناء فترة الإنعاش من خلال التذكر الصريح، تدعم الدراسة الأدلة النقلية الموجودة بالفعل (يوجد العديد من شهادات المرضي والأطباء التي تؤكد أن الوعي يظل موجود أثناء السكتة القلبية أو أثناء ظروف ليس من المفترض للوعي أن يكون موجود فيها كالتخدير العام وأحيانا أثناء تجربة الاقتراب من الموت يحدث إدراك لأحداث واقعية بدون استخدام أعضاء الحس كما في بعض الحالات لأشخاص مصابين بالعمي يستعيدون الرؤية أثناء حدوث التجربة معهم ويمكنهم أثناء التجربة إدراك أحداث واقعية جرت حول أجسادهم كما لو كانوا أصحاء، أو إدراك لأحداث واقعية بعيدة عن الحواس والجسم – مثلاً شخص في غرفة الإنعاش يري ويسمع أحداث تجري في مكان خارج غرفة الإنعاش – ولو أن الدليل النقلي لا يعتد به في الأوساط العلمية إلا أنه يبقي حافز للبحث بشكل أكاديمي في ما يتناقله الناس خصوصاً إن كان بهذا الحجم ملايين المرضي وآلاف الأطباء حول العالم يخبرون عن هذه التجارب)، بالإضافة إلى نتائج دراستين أخرتين، بما في ذلك دراسة أشارت إلى أن الإدراك الواعي قد يحدث في غياب وظيفة الدماغ وأن التجارب المتعلقة بالسكتة القلبية قد لا تكون هلوسة أو توهم.

النتائج الفلسفية لدراسات الوعي أثناء السكتة القلبية:

نظرًا لأن الإنعاش القلبي الرئوي (CPR) غير كافٍ لتلبية متطلبات التمثيل الغذائي للدماغ وأن وظيفة الدماغ تتوقف حتى مع الإنعاش القلبي الرئوي، حيث يحدث تباطؤ متزامن وغياب لنشاط القشرة الدماغية خلال 2-20 ثانية بعد توقف القلب، فان البلاغات عن وجود الوعي أثناء الإنعاش القلبي الرئوي – أي في وقت يُعتقد فيه أن الدماغ “غير وظيفي” – تثير أسئلة حول العلاقة بين العقل والدماغ/الجسم. تم الاقتراح أن نتائج دراسات الوعي أثناء السكتة القلبية تدعم وجهة النظر الفلسفية القائلة بأن العقل أو الوعي هو كيان منفصل يتفاعل مع الدماغ ولكنه غير منتج منه. على الرغم من الحاجة إلى المزيد من الدراسات.

مراجع:

1 23 456 78910

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى