ثقافة وفنون

كيف تغير الذوق العام؟ أربعون دقيقة من موسيقى عبد الوهاب تكشف عن الجواب

كيف تدهورت دلالة إطلاق لقب “موسيقار الأجيال” من لقبٍ منشود إلى تنابزٍ بالألقاب؟ أربعون دقيقة من موسيقى “محمد عبد الوهاب” تكشف عن سياقٍ زمني تغيرت به معاني الألفاظ، وتبدلت.

يجد الباحث في دراسات تبدل الذوق العام، أبعادًا مختلفة للتحول المفاجئ الذي أصاب الذوق الفني في مقتل، حيث استمر اللون الغنائي الذي ابتدعه “سيد درويش” في العشرينيات، تحديداً منذ مسرحيته الغنائية الناجحة “العشرة الطيبة”، في الفوز بمسامع جمهور العامة، حتى حقبة الثمانينيات.

تناول الباحثون أسباب ذلك التبدل، دون وجود برهانٍ قاطع على احتمالية أن يكون الانفتاح الثقافي مجرد سبب سطحي يؤخذ بالاعتبار عند الخوض في كل التغيرات الديموغرافية التي طالت كل المستويات، في الحقبة الزمنية التي أشرنا إليها في فقرتنا الأولى، ناهيك عن وجهة النظر القاصرة التي تعتقد أن تبدل “الذوق العام” حدث اعتباطًا دون أسبابٍ واضحة.

لكنني أجد من كواليس صناعة أغنية “من غير ليه”، روايةً جديرةً بالدراسة والتدقيق، في تسلسلٍ زمني، خلق تلقائيًا من سرد الوقائع المجرد، مشاهد مقولبة، في إطارٍ مسرحي، يتضمن قفزاتٍ درامية، تصل بأذهاننا إلى تساؤلاتٍ واستنتاجاتٍ تشبع حاجةً من احتياجاتنا، أو أكثر من ذلك.

أبطال المسرحية:

محمد عبد الوهاب: موسيقار الأجيال الواحد تلو الآخر، الذي اعتزل الغناء حتى يتسنى له تعزيز مكتبته الموسيقية بألحانه الخالدة.

عبد الحليم حافظ: الصوت المتفرد، الذي وصل إلى قمة نضجه الفني سريعًا، بمحافظته على شعبيته المتزايدة منذ وفاة كوكب الشرق “أم كلثوم”.

مرسي جميل عزيز: الشاعر الغنائي الذي لم يكن ينقصه سوى التعاون مع موسيقار الأجيال، وعندليب الطرب.

وجوه جديدة: المطربون الصاعدون ذوي اللون الغنائي المتجدد تارة، والتجاري تارة أخرى، وفي تعريفٍ آخر، عشيرة “حميد الشاعري”.

الفصل الأول:

يتوسط الملحن “عبد الوهاب” كلاً من المطرب “عبد الحليم حافظ”، والشاعر “مرسي جميل عزيز”، في جلسة ثلاثية بصيف عام 1977م، تهدف إلى خلق أرضية فنية مشتركة، تلتقي بها مدارسهم المختلفة، حتى تساهم لاحقًا في استمرارهم في استقطاب آذان الجماهير الصاغية، كما أوضحت كواليس البروفة التي استمرت لمدة عامين، حتى تم الاتفاق ضمنيًا على شكلٍ نهائي ينقذ الولادة المتعسرة من الفشل، قبل أن تنقلب الأمور رأسًا على عقب.

الفصل الثاني:

تتأجل شراكة العمل الثلاثية إلى حين شفاء عبد الحليم حافظ من مرضه المفاجئ، قبل أن تتأجل بوفاته، إلى أجلٍ غير مسمى.

الفصل الثالث:

يرفض عبد الوهاب، بحسب ما نشرته الصحف المصرية، أن يقوم المطرب الصاعد “هاني شاكر” بدور بطولة العمل الغنائي الذي كان من المفترض أن يقوم به “عبد الحليم حافظ”، على الرغم من محاولاته المتكررة من حين إلى آخر، ومحاولة مطربين آخرين، في إشارةٍ من عبد الوهاب إلى رفضه التعاون مع تمرد فناني جيل الثمانينات، على قوالبه الموسيقية.

الفصل الأخير:

يكتب محمد عبد الوهاب مشهد النهاية بصوته، في قالب درامي، بدت فيه ملامح الحزن تتضح على نبراته، حتى بدا أنه يرثي العندليب بعد اثنا عشر عامًا من رحيله، وخمسٍ وعشرين عاماً من اعتزاله الغناء، حين تغنى قائلًا: “خايف طيور الحب تهجر عشها وترحل بعيد، خايف على بحر الدفا ليلة شتا يصبح جليد”.

يضاف إلى ذلك تفوق أغنية “من غير ليه” على ألبوم “ميال” للمطرب الصاعد “عمرو دياب”، بجانب ألبوم المطرب الشعبي “أحمد عدوية”، عام 1989م في تحقيق المبيعات، رغمًا عن “تبدل الذوق العام” المزعوم، في رسالة تحمل بين طياتها دليل براءة أولي، يسقط شيئًا ما من التهم الموجهة إلى جمهور جيل الثمانينات، التي تتراوح بين العزوف عن حضور مسارح الفن الحقيقي حتى الاندثار، وبين تشجيع استديوهات الفن التجاري على الانتشار.

اقرأ أيضًا : أثر شريط الكاسيت على الذوق العام.. “عسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم”

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد عمارة

صحفي، يهتم بالبحث في تبدل الذوق العام الفني، معتمدًا على إيمانه بأن ذلك لم يحدث اعتباطًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق