ثقافة وفنون

تاريخ نشأة الدراما ومراحل تطورها

يرجع الباحثون بدايات الدراما إلى قصة صراع ابني آدم قابيل وهابيل وكيف انتهى هذا الصراع بقتل قابيل لهابيل لتبدأ المرحلة الأولى من الدراما وهي الصراع، ثم مالبث أن تلته  المحاكاة وذلك من خلال تقليد قابيل للغراب ليتعلم منه كيف يواري سوءة أخيه.

تمر بعد ذلك الدراما بمراحل متعاقبة تكتسب من خلالها عناصر أخرى، منها محاولة الإنسان البدائي شرح ما مر به من مخاطر في رحلة بحثه عن الطعام وما يقابله من صعاب، وكانت هذه المرحلة أقرب ما تكون إلى مرحلة قابيل وهابيل، فهي كانت بمثابة محاكاة يقوم بها هذا البدائي بعرض ما يواجه من صعاب في رحلة بحثه عن الطعام والشراب والإيواء، وقد اقتصر هذا الصراع على صراعه مع الطبيعة وما تحدثه من ظواهر تعيق حركته كالأمطار والسيول … وكذا صراعه مع الحيوانات، وبمجرد عودته إلى كوخه يبدأ في عرض ما تعرض له عن طريق الحكي أو الإيماء والحركات .

تدخل بعد ذلك الدراما مرحلة جديدة على يد المصريين القدماء حيث النص والجمهور والصراع والمحاكاة، وقد اكتسبت الدراما في مصر الفرعونية طابعا دينيا نظرا لنشأتها داخل أروقة المعابد، وقد أدخل المصريون عنصر جديدا إلى الدراما، حيث أدخلوا عنصر الديكور من خلال وجود المركب على خشبة المسرح في أسطورة إيزيس و أوزوريس أشهر أساطير مصر الفرعونية، وبل نستطيع أن نقول بأنها أقدم نص درامي مسرحي عرفته البشرية. فالفراعنة هم أول من قدموا فن الدراما في أبسط صوره، لكن أسبقية الفراعنة لم تمكنهم من وجود بناء مكتمل للدراما، فهم افتقدوا إلى وجود عنصر الممثل داخل العرض المسرحي، فالمؤديون هم جوقة  من الناس تتلوا النص دون تقمص للشخصية كما يحدث الآن، علاوة على ذلك، كانت الدراما مقتصرة على المسرح الديني داخل المعابد، يشرف عليها الكهنة وخدامهم، ونستطيع أن نرجع عدم التطور في مصر الفرعونية إلى ظهور الأديان (اليهودية والمسيحية) لأن الأديان اعتبرت الدراما فعلا وثنيا نظرا لارتباطه بالمعابد، وهذه المعابد هي المآل الوثني في مصر الفرعونية، وهو ما اعتبره البعض بقايا من الوثنية فحكم على الدراما بالإعدام .

انتقلت الدراما بعد ذلك إلى الحضارة اليونانية، وهنا خرج مصطلح “دراما”، وهذه الكلمة ترجع أصولها إلى اللغة اليونانية القديمة فأصلها كلمة “dran” وتعني هذه الكلمة الفعل والحركة، لذلك عرف أرسطو الدراما بأنها محاكاة لفعل نبيل، أضفى اليونانيون على الدراما عناصر اكتمالها، فهم أول من أدخلوا عنصر الممثل في العرض المسرحي، فسابقا كان العرض المسرحي مقتصرا على كورال أو جوقة تتلوا النص الدرامي دون أي تقمص للشخصية، وقد أدخل عنصر الممثل في العمل الدرامي في الدراما اليونانية من قبيل الصدفة، عندما كانت الجوقة المسرحية تتلوا أحد النصوص فخرج أحدهم عن المألوف، وبدأ في تغيير نبرات صوته وأداء مختلف، ومن هنا أصبح عنصر الممثل والمتقمص ضمن عناصر البناء الدرامي، و ما يحسب لليونانيين هو تقسيمهم الدراما إلى عدة مستويات وهي “المأساة والملهاة والكوميديا”، لكن هذا التقسيم لم يخرج الدراما اليونانية من الإطار الديني، وبدخول المسيحية إلى اليونان حدث معها ما حدث للدراما في المصر الفرعونية، لكن هذا التحريم لم يدم  طويلا، لكن وجد بعض رجال الدين أن الدراما يمكن استخدامها في خدمة الدين من خلال الفرق الدينية التي تعرض تعليمات السيد المسيح، و ظلت الدراما تخرج من عباءة دين لتدخل إلى عباءة دين آخر، وظلت هكذا ردحا من الزمن حتى بدأت تتشكل الدراما الحديثة.

ارتبطت الدراما الحديثة بالمسرح، ونستطيع القول بأن المسرح هو الدراما، و كذلك لا يمكن اختصار الدراما في المسرح ،فليس هو كل ما يقدم على خشبة المسرح، بل هناك فنون كثيرة تقدم على المسرح كالفنون الراقصة والغنائية وغيرها.
وشهدت الدراما ازدهارا مختلفا عن عصور النشأة، فقد خرجت من الثوب الديني لتنطلق إلى رحاب الحياة الإنسانية وتتعرض لقضاياه، فكان المسرح الاجتماعي والسياسي و الشعبي، واتخذ كل من هذه الأنواع طرقا مختلفة أثناء العرض، فأحيانا كان العرض يتم عن طريق خيال الظل (وهي ستارة بيضاء يسقط عليها الضوء من الخلف، فتصنع شخصيات العرض خلف هذا الستار، وتنبض بها الحركة من خلال قطع جلدية أو خشبية يحركها الملقن من خلف الستار)، كذلك ظهرت مسارح الدمى و والعرائس، وكان منها ما هو ثابت وما هو متجول على نحو الأرجواز وهو أحد أشكال الدراما الشعبية.

ومع بدايات عصر النهضة ظهر كتاب النصوص المسرحية كنصوص شكسبير وغيره، وظهرت الدراما الشعرية، والدراما النثرية، كمسرحيات أمير الشعراء أحمد شوقي، تلك المسرحيات القائمة في الأساس على الشعر والوزن الموسيقي.
فالدراما إذن هي نص أدبي كتب من أجل تأديته أمام الجمهور ،يكون الاعتماد فيه على الحوار مع الاختصار في لغة السرد، ونصوص الدراما اتخذت أشكالا متعددة حتى وصلت إلى شكلها النهائي اليوم وهو السيناريو.

استطاعت الدراما أن تستفيد من التطورات المصاحبة للنهضة الصناعية، و ما اكتشاف الكاميرا واختراع السينما  إلا طور جديد من أطوار التطور التاريخي للدراما، فهي لم تعد مقتصرة على أروقة المعابد أو جوانب المسرح، بل انطلقت إلى عالم أكثر رحابة وسعة،

أما السينما فلقد كانت داياتها بأفلام قصيرة مسجلة للحياة العادية، فكانت أفلام الأخوين لومير هي بمثابة الثورة في تلك الفترة، فعلى الرغم من ما تم تصويره من قبل لومير لا يتعدى إلا مشاهد بسيطة لحركات القطار وحركة الناس.
بعد ذلك بدأت  الأفلام الصامتة على نحو أفلام شارلي شابلن الصامتة، ومع مرور الوقت بدأت الحاجة إلى ظهور أفلام ناطقة، فكانت الروايات المحولة إلى أفلام سينمائية، وهكذا بدأت الدراما في شكل جديد من أشكالها وهو الفيلم السينمائي.

وبظهور التليفزيون كانت الحاجة إلى محتوى ترفيهي بجانب اللقاءات الحوارية والنشرات الإخبارية، على أن يستطيع هذا المحتوى جذب المشاهدين إلى هذه الشاشة الصغيرة، وكانت المسارح في أوائل القرن العشرين تشهد إقبالا كبيرا من الجماهير، فتم اللجوء إلى تصوير المسرحيات وعرضها على التليفزيون، ومع الوقت تطورت الفكرة حتى ظهرت فكرة المسرح التليفزيوني، ثم ظهرت بعد ذلك فكرة الحلقات الدرامية ذات الموضوع الواحد، ومنها ظهرت فكرة الدراما التليفزيونية في شكل المسلسل التليفزيوني، وكانت بدايات هذا الفن في النصف الأول من القرن العشرين في أوروبا وبالتحديد في فرنسا، ثم انتقلت الدراما بعد ذلك إلى جميع انحاء أوروبا، وكانت مصر من أوائل الدول العربية في إدخال الدراما التليفزيونية إلي شاشة التليفزيون المصري، وذلك في بدايات النصف الثاني من القرن العشرين عن طريق مسلسل تليفزيوني يسمى “جهاز المعلم شحاتة”.

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية

تعليق واحد

  1. أنا ممثل , مؤلف و كاتب مسرحي من دولة جنوب السودان , أهوى البحث و دراسة كل ما يتعلق بالمسرح و الدراما , لذا سأتشرف بمتابعة منشوراتكم للإستفادة أكثرز
    لكم مني فائق الود و التقدير
    مارتن وده ميان – جوبا – جمهورية جنوب السودان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى