سياسة وتاريخ

تاريخ صراع اليسار واليمين على المشهد السياسي التركي

كان انهيار الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى عام 1918 قد ترك فراغ سياسي في شبه الجزيرة التركية بجانبها الأسيوي والأوربي ثم تطور الأمر بإلغاء مبدأ الخلافة الإسلامية عام 1924 بموجب بنود معاهدة لوزان بسبب حرب الاستقلال الوطنية التركية التي قادها مصطفى كمال أتاتورك فكان الأخير يؤمن باليسارية وضرورة تغير تركيا بدل التراث العثماني المتخلف فقام الأخير بإحلال الحكم العلماني ووضع الدستور لتركيا عام 1924 وصام بإجراءات  تهدف الى قمع  المظاهر الإسلامية في المجتمع التركي، وسيطر على المشهد السياسي التركي متخذاً  مبدأ نظام الحزب الواحد، وهو حزب الشعب الذي كان رئيسا له فظهرت مايعرف (بالدكتاتورية الأتاتوركية), وإضافة الى رئاسته لجمهورية تركيا استمر الأمر على هذا النظام حتى وفاته عام 1936 ونشوب الحرب العالمية الثانية التي  انتهت عام 1945، وكان نهايتها أن أحدثت تغيرات سياسية وايدلوجية واقتصادية في العالم من أهمها ظهور قوتين وهي الاتحاد السوفيتي ودولة الولايات المتحدة الأمريكية وصراعهما للسيادة على العالم، هذا الأمر اجبر الدول المنتصرة الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية بإصرارها على إقامة أنظمة ديمقراطية للدول التي تسير في الفلك الرأسمالية الغربية!  لمواجهة الدعاية الشيوعية التي تعد مظهر من مظاهر الحرب الباردة.

فجائت رياح التغيير جراء هذه السياسة إلى تركيا، وذلك بسن قانون يسمح بالتعددية الحزبية في 7 كانون الأول 1947 فظهر الحزب الديمقراطي على المسح السياسي التركي في نفس السنة المذكورة، وكان من التيارات اليمينية  بقيادة عدنان مندريس وجلال بايار وسليمان ديميريل.

بظهور هذا الحزب بدأ الصراع اليسار المتمثل بالحزب الشعب اليساري واليمين المتمثل بالحزب الديمقراطي  على السلطة في تركيا دفع ثمنها الشعب بسبب سياسة العنف الذي استخدمه اليسار  بحجة  المحافظة على العلمانية التي وضعها أتاتورك  سابقاً، وإصلاحات الذئب الأغبر ( المقصود به اتاتورك!) التي وضعها لنهضة تركيا، لكن في حقيقة الأمر اليسار بانتهاجه تلك السياسة هدفه الخفي هو الانفراد بالسلطة دون غيره.

ظهر الصراع بالإصلاحات التي قام بها الحزب الديمقراطي عام 1950 بعد فوزه بالانتخابات التي جرت في ذلك العام  وكانت تلك الإصلاحات هي :إصلاح نظام التعليم وإرجاع الأذان باللغة العربية بعد أن غيرة أتاتورك الى اللغة التركية وإرجاع المظاهر الإسلامية التي كانت ممنوعة أيام اتاتورك وإقامة علاقة ودية مع دول العالم العربي والإسلامية، الانضمام الى حلف الناتو الغربي عام 1952 ثم تبني سياسة السوق الحر الأمر الذي أدى الى انتعاش الإقتصاد التركي.

هذا الإصلاحات أغضبت اليسار بسبب تراجع شعبية الأخير أمام تلك الإصلاحات خاصة بعد انهزام الحزب الشعب أمام الحزب الديمقراطي في الانتخابات التي حصل عام 1957 لذلك بدأ اليسار بنتهج سياسة العنف للوصول الى سدة الحكم فقرر اتخاذ القرار العسكري ساعد بذلك تأثر الجيش بالأفكار العلمانية لمصطفى كمال أتاتورك فتحرك الجيش بقيادة جمال كورسيل في 27 ايار عام 1960 فتمت الإطاحة بحكومة الحزب الديمقراطي اليميني ومحاكمة أعضاء الحكومة ورئيس وزرائها عندنان  مندريس الذي حكم عليه بالاعدام.

بذلك نجح اليسار بإعادة تركيا الى أيام ما قبل عام 1950، إذ فاز حزب الشعب بانتخابات عام 1961 قام بإعادة كتابة الدستور وجعل المؤسسة العسكرية هي المسيطرة على المشهد السياسي في تركيا فجعلت السلطات التنفيذية أقوى من السلطات التشريعية، وأصبح الجنرال جمال كورسيل قائد الانقلاب رئيسا لجمهورية تركيا، وبذلك سيطر التيار اليساري المناصر لأفكار أتاتورك على السلطة ووجه ضربة موجعة لليمين.

لكن الصراع لم ينتهي، إذ ظهر حزب يميني جديد باسم حزب العدالة بقيادة سليمان ديميريل فضلاً عن ظهور أحزاب جديدة من أقصى اليمين الى أقصى اليسار الذي يحمل أفكاراً إشتراكية : حزب العدالة، وحزب تركيا الجديدة،  وحزب العمال التركي، والحزب الفلاحي، تلك الأحزاب كانت تشكل الخريطة الجديدة للمشهد السياسي التركي.

على الرغم من استمرار التعددية الحزبية  إلا أن التيار اليساري هو المسيطر على العملية السياسية فخلال انتخابات تشرين الاول عام 1961 حصل بموجبها حزب الشعب على 36.7% من الاصوات اما حزب العدالة فقد حصل على 34.7% من الاصوات. فالحزب الشعب هو الذي يمثل اليسار الاتاتوركي ويحمل أفكاره العلمانية فبهذه الانتخابات انتصر اليسار وخسر اليمين.

لكن اليمين استغل مسألة تعددية الحزبية بالرغم من السيطرة العسكرية على الحياة السياسية التركية فقام بحشد جهوده لاكتساب أصوات جديدة ففي سنة 1965 حصلت انتخابات فاز بها حزب العدالة بقيادة سليمان ديميريل فرد اليسار باستخدام القوة مره ثانية بسبب سيطرة اليمين مره أخرى ثم تطورت الأحداث الى ألأسوء بنهاية عام 1969 عندما أعيد انتخاب تلك الحكومة التي تهدد الأفكار الأتاتوركية العلمانية وازداد الأمر صعوبة بظهور أزمة اقتصادية تخللتها اضطرابات اجتماعية وعمالية بمظاهرات كانت تجوب الشوارع، وحدوث ظاهرة الاغتيالات السياسية بتدبير من اليسار واليمين المتطرف.

فخلال سنوات 1969 الى 1970 قام الجناح اليساري يتنفيذ عمليات إرهابية، واغتيالات، وخطف وكذلك رد اليمين المتطرف بمثلها كمنظمة الذئاب الرمادية ثم تطور الأمر الى تهديد النظام العلماني الحاكم وقيام عمليات خطف بحق الجنود الأمريكان، ومهاجمة القواعد الأمريكية (وقد يكون السوفيات قد لعبوا دوراً للقيام بهذا الأمر بدعمهم المنظمات اليمينية المتطرفة) مهما يكن من الأمر فقد أصبحت المصالح الأمريكية مهدد في تركيا فلابد من التدخل فتلاقت المصالح الأمريكية مع مصالح الجيش التركي بتدبير انقلاب عرف بانقلاب المذكرة في 12 اذار عام 1971 وسمي بهذا الاسم لأن الجيش ارسل مذكرة تجبر بها رئيس الوزراء سليمان ديميريل بالتنحي عن السلطة، وفي حالة الرفض سوف يرسلون الدبابات بدل المذكرة لإزاحته من الحكم. فوافق على ذلك.

لكن المثير بالأمر أن العنف استمر وتطور الأمر بظهور النشاط الإسلامي بقيادة نجم الدين اربكان الذي كان يميني معتدل له ميول إسلامية في تركيا العلمانية وتطور الأمر الى إنشائة حزب السلامة الوطني، وقد استغل هذا الحزب حالة تعطش الأتراك الى الاسلام , وحقق نجاحا باهرا في انتخابات عام 1973 وحصل على ثلث اعلى نسبة من الاصوات في المجلس النيابي، واشترك مع الحزب الشعب الجمهوري بتكوين حكومة ائتلافية، وارتفعت مكانة اربكان خاصة بعد غزو تركيا لقبرص، اذ ترجم ذلك في انتخابات عام 1975 بحصوله على ثاني أعلى الأصوات في المجلس النيابي، وتطور الأمر بظهور حزب الحركة القومية بقيادة الب ارسلات توركش وهو حزب قومي عنصري لكنه لا يعادي الإسلامي.

ذلك أثار حفيظة الجيش التركي واليسار المؤمنين بأفكار مصطفى كمال أتاتورك  وكانت الولايات المتحدة الأمريكية تراقب تحركات اربكان وتقاربه مع الحركة القومية المذكورة بذلك بدأ اليسار يفقد زمام الأمر فخطط مع الولايات المتحدة بإرجاع تركيا الى فترت العنف السياسي، لكن لماذ تفعل ذلك؟!!

الجواب هو من اجل غسل أدمغة الأتراك بأن الجيش هو الحل الوحيد لإنقاذ تركيا من الفوضى السياسية والعنف، وهذا ما تحقق بالفعل، إذ حصلت أعمال العنف المسلحة من أقصى اليمين الى أقصى اليسار، ونشطت الأفكار الشيوعية، والاضطرابات العمالية، وعمليات الخطف والقتل حتى بدأ الناس لأ يأمنوا على أنفسهم، وتعطينا التقارير أرقام مخيفة بلغت عام 1980 قبيل الانقلاب الى 4040 قتيل بسبب كثرت التيارات السياسية المتخاصمة فيما بينها. وتطور الأمر بقيام المنظمات العمالية المدعومة من السوفيت إلى تنظيم الاضطرابات التي تحمل طابع التحدي والعصيان من اجل شل الحركة الاقتصادية في تركيا دفع ثمنها المواطن.

فقام الجنرال التركي كنعان ايفرين الذي حصل على دعم المخابرات الامريكية (CIA) ففي يوم 12 ايلول عام 1980 بإذاعة بيان الانقلاب ادعى فيه بضرورة القضاء على العنف السياسي ممن يهددون الأفكار العلمانية الأتاتوركية وسمى هولاء المسببين للعنف بالشيوعين والإسلامين المتزمتين.

عندما قام الانقلاب كان رئيس الولايات المتحدة جيمي كارتر في حفل موسيقي  حينما وصله اتصال من ضباط المخابرات الأمريكية تبشره بنجاح الانقلاب بقوله (لقد فعلها غلماننا) لهذا فأن انقلاب عام 1980 مدعوم أمريكيا وسبب ذلك يعود الى خوف الولايات المتحدة الأمريكية من فوز الثورة الإيرانية عام 1979 وانهيار نظام الشاه الموالي للغرب فإذا حدثت ثورة إسلامية في تركيا بسبب قربها من إيران وان اختلف المذهب! فإن ذلك يهدد الأهداف الاستراتيجية الأمريكية في تركيا بسبب قربها من الإتحاد السوفياتي ووجود قواعد أمريكية بكثره فيها، إذ برزت أهمية تركيا في أزمة الصواريخ الكوبية 1960-1963 عندما هدد السوفيت أراضي الولايات المتحدة عن طريق كوبا الشيوعية. لذلك دعت أمريكا بصريح العبارة إلى هذا الانقلاب.

والغريب بالأمر أن العنف السياسي توقف فجأة!!؟ بنجاح الانقلاب العسكري هذا يعطي دليلاً بأن الجيش بتعاون من المخابرات الأمريكية هم من أثار العنف السياسي وهدد أرواح المواطنين في تركيا.

فتم إزاحة الأحزاب اليمينية، واعتقال 650,000 مواطن، ومحاكمة 230,000 شخص 517 صدر بحقهم حكم الإعدام , و 299 حالة وفاء تحت التعذيب، وانتحار 43 شخصا وقتل 16 أثناء هروبهم، وإقالة 3654 مدرساً، و47 قاضياً، و120 أستاذاً جامعياً، ورصدت الأجهزة الأمنية التابعة للانقلاب مليون ونصف مليون مواطن تركي تحت المراقبة ووضعت عليهم مؤشرات أمنية بحجة تهدديهم للأمن القومي التركي.

أما قادة الانقلاب فقد أصبحوا بمثابة أبطال قوميين في ذهن الأتراك بفضل سياسة غسل المخ التي انتهجها الإعلام التركي المدعوم من قبل الولايات المتحدة الأمريكية فبدلا من تجريم هولاء صنعوا منهم أبطال ومنقذين للشعب التركي!! فبفضل البند 15 من دستور عام 1982 أصبح لكنعان ايفرين وبقية القادة الانقلابين يمتلكون حصانية مدى الحياة فعاش هولاء حياة أمنة طيلة فترة الثلاثين عام التي حكموها.

لذلك أرى أن العملية السياسية التركية قد مرت بتجربة قاسية في الفترة المذكورة أعلاه إذ أن الموقع الاستراتيجي التركي القريب من الاتحاد السوفيتي أعطاها أهمية عالية جدا للعم سام في مواجهة الشيوعية التي ظهرت في روسيا فكان الأمريكان يرسمون الخريطة السياسية حسب مزاجهم وأهواءهم بما يتلائم مع المصالح الأمريكية الاستراتيجية حتى وان دفع ثمنها الأتراك.

المصادر:

  • محمد نور الدين,انقلابات تركيا من عندنان مندريس الى رجب طيب اردوغان.
  • كريم مطرحمزة الزبيدي , صفحات من تاريخ تركيا.
  • https://www.pegem.net/dosyalar/dokuman/139219-20140207181959-2.pdf
  • حميد بوزرسلان,تاريخ تركيا المعاصر.
  • كريم مطر حمزة الزبيدي ,دراسات في تاريخ تركيا الحديث.
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

م.م كرار طالب

اعمل استاذ جامعي اختصاص ماجستير في التاريخ الحديث والمعاصر لدي شغف في كتابة المقالات التأريخية والسياسية اعطي دروس في كلية الامام الكاظم عليه السلام - للعلوم الاسلامية في مادة : تأريخ الولايات المتحدة الامريكية وتأريخ التحديث في الدول الاسلامية المعاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى