سياسة وتاريخ

تأميم المجتمع

توازن القوى

تميز المجتمع المسلم منذ نشأ بقوته، واعتمدت الأمة المسلمة على نفسها في تسيير شئون حياتها، ولم تكن للدولة كمؤسسة حاكمة سوى عدد محدود من الوظائف، وترتب على ذلك نتيجة مفادها؛ أن الدولة في حال قوتها وسطوتها ترتقي بالمجتمع وتزيده قوة إلى قوتهِ، وفي حال ضعفها وذبولها فإن تأثير ذلك  على المجتمع يكون محدوداً، ولا يؤدي انهيارها كنظام حكم في نهاية المطاف إلى سقوط المجتمع بكليته ودمار بناه المجتمعية والمؤسسية كما يحدث في ظل الدولة الويستيفالية.

سلطة المجتمع ومجتمع السلطة

هناك أمثلة كثيرة في التاريخ الإسلامي توضح كيف كان المجتمع المسلم يتمتع  بقوة حضارية تجعله يأسر عدوه حتى بعد انهيار القوة العسكرية للدولة وسقوط نظام الحكم كما حدث مع المغول في الشرق الإسلامي، والنورمان في صقلية، والصليبين في الشام، والإسبان في الأندلس.

كما أن هناك أمثلة أكثر توضح المفارقة بين المجتمع المسلم في ظل النظام الإسلامي وفي ظل الدولة الحديثة والتي قضت على نحبهِ، وجعلته في مهب الريح لايحق حقاً ولا يبطل باطلاً. الأمثلة على ذلك المجتمع المصري في ظل الاحتلال الإنجليزي لمصر والذي ظل مستبيحاً للديار قرابة الثمانون عاماً وقبلها بأقل من قرن عندما هزم الجيش الفرنسي هزيمة نكراء بصدوره العالية بعدما سقطت دولة المماليك!

توضح المقارنة البسيطة كيف بقي المجتمع قوياً متماسكاً يولد من رحم المحنة ألف منحة حتى بعد  دمار الدولة و انهيار نظام الحكم.

وكيف كان هذا المجتمع يتمتع بفيض من القوة العسكرية، والتنظيمية ما جعلته يهزم أقوى جيوش العالم قوة، وأكثرها فتكاً، وأحدثها تنظيماً، وأكثرها عتاداً في ذلك الوقت.

وكيف لذات المجتمع، ولنفس الشعب أن يتحول لريشة في مهب الريح تستباح أرضه، وتسفك دمائه، وتنهب ثرواته ولا يحرك ساكناً!!

حيوية المجتمعات

يقول علماء الاجتماع إن أفضل الدول على الإطلاق هي التي تتمتع بمجتمعات قوية وحية في آن واحد، ومن أكثر ما حافظ على حيوية وقوة المجتمع المسلم كان نظام الوقف الإسلامي.

يقول الدكتور إبراهيم غانم في كتابه (الأوقاف والسياسة والمجتمع في مصر) إن من أهم سمات الاوقاف في مصر؛ إنها ساهمت في تكوين النسق الاجتماعي بما يحويه من أنساق فردية.

فكان نظام الوقف في مصر، وككل مجتمع إسلامي يشكل البنى المجتمعية من خلال السيطرة على مفاصل المجتمع، وتلبية احتياجاته بمعزل عن سلطة الدولة، فإذا سقطت الدولة لم يكن المجتمع ليسقط لأن تدبير معاشه بيده.

و كان نظام الوقف يتحكم في التعليم  (كما فس غيره)، من خلال إنفاقه على الكتاتيب والمدارس والعلماء، فكانت كلمة العالم من رأسهِ لأن قوته لم يكن من جهة السلطة، وكان قرار التلميذ بيده لأنه لايخشى فصلاً أو تهديداً.

وكان التعليم مرناً يلبي الاحتياجات الفكرية للمجتمع، لا نظاماً جامداً تفرضه سلطة، وتغيره أخرى بما يحقق مصالحها.

وكالتعليم كانت مؤسسات الدولة الأخرى جميعها في أيدي المجتمع  مما يحقق توازن للقوى بين الدولة كسلطة، في يدها بعض الوظائف، وبين المجتمع كسلطة موازية في  يده بقيتها، فلا تتغول إحداها على الأخرى.

وانتهت أنظمة الوقف بسلطة لامركزية، فلم يتركز الوقف في أيدي فئة معينة أو إدارة واحدة، كما يحدث لمؤسسات المجتمع الحديث فإذا عطبت وأصابها الفساد هلك الحرث والنسل.

وكما تحلت إدارة الوقف باللامركزية تحلت كذلك ببعدها عن معترك السياسية، فلم يستطع الملوك والحكام بسط سيطرتهم على نظام الوقف، وكل محاولة في هذا الاتجاه باءت بالفشل، وتصدى لها العلماء ومن وراءهم المجتمع، كما حدث في عهد الظاهر بيبرس إذ حاول السيطرة على بعض الوقف لتدعيم الجيوش في مواجهة المغول والصليبين  فتصدى له العلماء وعلى رأسهم الإمام النووي، و لاحقاً في عهد الظاهر برقوق فتصدى له سراج الدين البلقيني وبرهان الدين بن جماعة وغيرهم من العلماء.

الاقتصاد الأخلاقي

كان ما يسمى الاقتصاد الأخلاقي قبل قيام الدولة الحديثة، يحافظ على بنى المجتمعات، ويحفظ الروابط البشرية، وينمى قدرة المجتمعات على تدبر أمورها، وسياسة بلدانها.

جاءت الدولة الحديثة في الشرق على يد محمد علي ليس كنظام حكم يلائم طبيعة المجتمع الذي سيحكمه، وإنما كإرث للنظام الأوروبي الغربي.

ولأنها كانت غريبة عن المجتمع ووجدت معارضة لها من اليوم الأول، ولذلك  أرادت أن تثبت أقدامها فتغولت على المجتمع، وانتزعت كافة السلطات من يده بالقوة،وسعت للتدخل في أدق تفاصيل أوجه الحياه البشرية، التي كانت في السابق تحت إدارة المجتمع.

أدى ذلك في نهاية المطاف إلى النتيجة المحتمة؛  في المجتمعات العربية، كما في المجتمعات الأوروبية، إلى تفكيك القوى المتوسطة، وتدمير البنى المحلية، وتفكيك الروابط الإنسانية وصناعة المواطن المستهلك ابن السوق.

أزمة الدولة

ومع نمو الحوكمة وفشل الدولة في مهمتها الرئيسية، وتخليها عن السياسة تركت المواطن الذي صنعته ضحية بائسة لقوى السوق، ولم تعد هناك قوى مجتمعية قادرة على انتشال هذا المواطن البائس، لأن الجميع في النهاية ليسوا سوى مواطنين!!

يقول عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومن ( لا تستطيع الأسواق الحديثة تقبل وجود “اقتصاد لا سوقي” أو تحمل أي  نوع من الحياة التي تعيد إنتاج ذاتها دون أن ينتقل النقد من يد إلى أخرى).

وعليه أصبح الإنسان في ظل المجتمع الحديث السائل مجرد سلعة تحقق زيادة في إجمالي الناتج القومي GNP ليس إلا.

ولذلك يتم غزو المجموعات البشرية بكل ما تحملة الكلمة من معنى  للغزو، وتدمير بناها حتى يظل المواطن المستهلك في حالة من عدم اليقين، وبالتالي يظل دائماً تحت قيادة السوق، وقيمه، ومنتجاته.

الإنسان السلعة

لم يعد  ينظرللانسان كما في السابق على أنه خليفة الله في أرضه، يسعى لعمارة الأرض، ويسعى لخدمة المجتمع، ويحافظ على قيمه وتقاليده، بل أصبح كمحور للتسليع، وكمادة لتشغيل حركة السوق، وكمنتج اقتصادي في المقام الأول، أهميته لم تعد تتوقف على ما يضيفه لبني جنسه من خير ونفع في  مناحي الحياة المختلفة.

ففي ظل اقتصاد السوق قيم كالخير والعدل والتراحم والتكافل وغيرها لم يعد لها معنى كالسابق، فالسوق الآن يدرب عملاءه على قياس القيم بالعملات، ولعل ذلك يجعلنا نفهم أكثر لماذا هذا السعار المحموم نحو ترسيخ ثقافة ريادة الأعمال باعتبارها النجاح الأسمى  في مجتمعاتنا!!

نجح السوق في تسليع الإنسان كما سلع من قبل القيم والأخلاق، و فشل المجتمع الحديث في الحفاظ على روابطه الإنسانية، وحماية أفراده من الانجراف لقوّاد السوق.

يصف زيجمونت باومن حالة مجتمعنا الراهن بأنه “أزمة الأزمة” التي لن نخرج منها أبدا ما دمنا نخضع لمبادئ السوق، فهل ثمة عاقلون في مجتمعنا الراهن يحاولون إعادة الروابط الإنسانية ويحيون قوى المجتمعات بعيداً عن نمط المؤسسية التي أهلكتها قيم الحداثة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى