ثقافة وفنون

تأملات في حقيقة أمر السلف الصالح

  • في رواية: میدان واشنطن ، لهنري چیمس ، يظل الأب يكرر أمام ابنته سرد مناقب أمها المتوفاة التي لا تذكرها الفتاة ، ويعدد محاسنها ، ويشيد برشاقتها وخفة روحها ، وثقافتها وعذوبة طبعها ، ويقارن بين افتقار البنت إلى الكياسة والفطنة واللباقة ، وبين تألق الأم وذكائها وتوهج عقلها ، حتى تفقد ابنته كل ثقة في نفسها ، وحتی تخجل من مجرد حياتها ، فلا تكاد تقدم على عمل إلا أحست أنها لا بد قد أخطأت ، ولا تقول قوة إلا شعرت بعده بأنه قول سخيف أحمق.

وكثيرا ما تخطر أحداث هذه الرواية في ذهني كلما سمعت من الوعاظ في المساجد، أو قرات لأحد الكتاب الإسلاميين إشادة بمناقب السلف الصالح، تعقبها في العادة إدانة لمسلك الأجيال التالية له، بما فيها جيلنا الأخرق التعس . وقد ظللت أمدا طويلا أصدق، كما صدقت الفتاة أباها في رواية هنري چیمس، ما يرد علي بكرة وعشيا من وصف للسلف الصالح، وتعابير الإزراء بجيلي، حتى رأيتني وكأنما أنا قزم قدم عند قدمي عملاق عظيم ، أو خنفساء تلهو في ظل قديس ورع.

ثم جاء الوقت الذي بدا الشك فيه يخامرني بصدد صحة ما يكرره الناس، وشرعت أفكر في أنه ربما كان لهذا الاعتقاد لديهم جذور وأسباب تاريخية لا صلة لها بعظمة بشأن السلف وتفاهة شاني، وفي أنه ربما كان وراء الإشادة بهؤلاء ،والإزراء بمن جاء بعدهم، بواعث غير الرغبة في تصوير القدوة الحسنة، وحتي على الاقتداء بها.

أسباب النظرة الإسلامية الرومانسية إلى السلف

هذا الاتجاه إلى تصوير عهد الخلفاء الراشدين تصويرة رومانسية ، أورده هنا بإيجاز شديد ثم أنتقل إلى ما يليه. فمعظم معالم الصورة إنما حددها مؤلفو العصر العباسي حين انقطعت الصلة تماما بين فكر الفقهاء ومصنفي الكتب في الشريعة وبين واقع حياة الرعية والحكام. ذلك أنه نجم عن إحجام الفقهاء عن تطوير الشريعة وفق ظروف العصر الذي يعيشون فيه، وملاءمة فقههم لاحتياجاته، وتجميدهم للأحكام مع إيصاد باب الاجتهاد، أن ساد لدى الجميع الاعتقاد بأن أمر تطبيق الشريعة أمر نظري بحت، يمكن التأليف والحديث فيه وليس بالوسع محاولته.

وإذ كان من الصعب على رجال الدين ،ومن غير العملي، تكفير الغالبية العظمى من أفراد الأمة، ومن الخلفاء والسلاطين والولاة، بسبب مسلكهم المخالف مخالفة صارخة للشرع، خرج الفقهاء بنظرية مؤداها أن هذه المخالفة قدر من الله لا راد له، قد تنبا الرسول بها، وأن المقدر لأمة المسلمين أن يتدهور حالها، ويسير مسلك أفرادها من سيء إلى أسوا، حتى يأتي المهدي المنتظر، وتتحقق بمجيئه أحوال مثالية يمكن في ظلها تطبيق الشريعة تطبيقة سليمة كاملا ولكي يثبت هؤلاء نظريتهم، ويدعموا افتراضهم، اتجهوا إلى المبالغة في تعظيم السلف، والمثالية في تصوير أفراده، فكأنما هم من الملائكة أو دون الملائكة بقليل، بحيث يتوهم القاريء أو السامع أمورة ثلاثة ( كل منهامطلوب من أجل إثباتالنظرية ):

الأول: أنه من قبيل الحماقة أن يطمع أحد منا في أن يكون مثل هذا السلف الصالح.

والثاني: أن الأجيال التالية للسلف الصالح مجبولة على النقص والفساد، تالف حالها.

والثالث: أن تطبيق الشريعة كان أمرا میسورة وقت أن كان ذلك السلف الصالح على قيد الحياة، وهو الآن متعذر لفساد الناس بعدهم، وسيظل متعذرة إلى ما شاء الله.

موقف المؤرخين والفقهاء من علم التاريخ وأدب التراجم

لم يكن المؤرخون المسلمون في العصر الوسيط بالغافلين عن منهج البحث التاريخي وسېله. وقد طبقوا بالفعل على ما تحصل لديهم من مادة تاريخية نفس المبادىء العلمية التي ابتدعها ونماها علماء الحديث في دراستهم للأحاديث المنسوبة إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وما من شك في أن المؤرخين المسلمين قد حققوا إنجازات رائعة خلال القرنين الثالث والرابع الهجريين، والتزموا بالمعايير العلمية الدقيقة التزامة لا يزال المؤرخون الغربيون يغبطونهم عليه إلى يومنا هذا .

غير أنه بمضي السنين، وبازدياد تحررهم من تأثير الفقهاء ورقابتهم ،أثاروا عداوة هؤلاء الأخيرين وريبتهم، وهما عداوة وريبة تحولتا إلى حرب مريرة على المؤرخين في عصور الانحطاط الفكري في الدولة الإسلامية. وقد أسفرت هذه الحرب عن انتصار الفقهاء، وعن اضطرار المؤرخين الى تبني موقف من أحداث الماضي شبيه بموقف الفقهاء منها، وأضحى الهدف من الكتابات التاريخية هو الهدف الذي حدده الفقهاء للمؤرخين، ألا وهو أن يكون علم التاريخ وأدب التراجم وسيلة من وسائل غرس القيم الدينية، والمبادىء الأخلاقية الرفيعة، والمثل العليا، لا تسجيل الحقائق بأكبر قدرمستطاع من الموضوعية بعد تمحيص ما تجمع منها لدى المؤرخ.

ومن هنا بدات تتكون نظرة المسلمين الرومانسية إلى تاريخهم وأبطاله ماضيهم، وأضحت للحقيقة التاريخية مكانة تقل في الأهمية بكثير عن هدف تعزيز الإيمان، والوعظ، وبيان نماذج السلوك التي ينبغي على المتقين أن يحذوا حذوها أو يتجنبوها . وكانت ثمرة ذلك أن بات المسلمون ينظرون إلى الخليفة عمر بن عبد العزيز مثلا على أنه من أعظم خلفاء الإسلام، لمجرد ورعه وتقواها، وموقفه العادل من العلويين وبنی هاشم، في حين لم تجلب السياسة المالية والإدارية لهذا الخليفة غير خراب الدولة. ولا يزال المسلمون إلى يومنا هذا يمصمصون شفاههم إعجابا بموقفه من واليه على حمص الذي كتب إليه : « إن مدينة حمص قد تهدم حصنها، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في إصلاحه، فرد عليه عمر بن عبد العزيز بقوله : «اما بعد ، فحضنها بالعدل . والسلام، . وهو رد – رغم ما فيه من بلاغة تستهوى العرب – يستوجب المؤاخذة البرلمانية في أي نظام حكم ديموقراطي.

كذلك فقد تكونت لديهم صورة ثابتة شوهاء من الصعب تغييرها عن يزيد ابن معاوية والحجاج بن يوسف الثقفي، لمجرد أن جيش يزيد قتل الحسين بن علي وصحبه، غير آخذين في الحسبان كفاءة يزيد الإدارية المتميزة، ولا الآثار الوخيمة التي كان لا بد وأن تعود على الدولة الإسلامية من جراء ثورة الحسين، ولمجرد قسوة الحجاج في استئصاله شأفة المارقين الخارجين على الدولة، وهو الذي شهد له المؤرخون الأوروبيون بأنه أحد أعظم الإداريين في تاريخ العالم .

وهم دائما منحازون في عواطفهم إلى المأمون في حربه ضد الأمين، بتأثير القصص التي رواها مؤرخو الدولة العباسية عن تهتك الأمين في مسلکه الشخصي، ووقار مسلك المامون، دون أن يلقوا بالا إلى حقيقة نوايا أنصار المأمون، وهم الفرس الذين ساءهم تغليب الأمين، الخليفة العربي للعنصر العربي عليهم، وأملوا أن تكون لهم الهيمنة على مقاليد الحكم بتولية المأمون نصف الفارسي، وهو ما حدث فعلا.

على أي حال فإن مثل هذه النظرة إلى التاريخ وشخصياته التي لا تعرف فاصلا بين التقوى والسلوك الشخصي، وبين اعتبارات السياسة والمصالحة العليا للدولة ومقتضيات الإدارة الحازمة الرشيدة ، لا يمكن أن تخدم الفهم السليم لمجريات الأمور والأحداث التاريخية ، ولا يمكن أن تتمخض إلا عن تمجید سطحي لهذا، وحط من قدر ذاك، وعن حنين إلى زمن السلف الصالح، من الصعب تبريره أو الدفاع عنه.
.
ثم جاء الغزو العثماني للأقطار العربية بما صحبه من موات فكري ، فانصرفت غالبية المسلمين عن القراءة إلا في كتب الأدعية والحديث والشعر والحكايات الشعبية، وأدارت للمؤلفات التاريخية ظهرها حتى نست ماضيها أو كادت، وتلاشي التأثير السيء الذي كان لتلك المؤلفات فيما يتصل بالنظرة الرومانسية إلى الأحداث والشخصيات.

وإذ بزغت مع القرن التاسع عشر بوادر نهضة فكرية جديدة ، كان المفروض أن يتولى حاملو شعلتها مهمة تصویب هذا الخطأ . وقد كان من السهل عليهم جميعا – نظريا على الأقل – أن يغرسوا بكتاباتهم في التاريخ الإسلامي نظرة جديدة إلى ذلك التاريخ وأبطاله في أذهان قرائهم التي باتت غالبيتهم جاهلة كل الجهل به وبهم، بحيث اعتمدوا اعتمادا عليا على المؤلفين المحدثين في تحصيل معارفهم. غير أن هؤلاء القادة لم يفعلوا، وتبتوا نفس النظرة ونفس القيم والمفاهيم للأسلاف، وكانوا أعجز من أن يطبقوا معايير جديدة مستنيرة في الحكم. فكان أن كتبت الحياة من جديد لمعايير القدماء، وهيمنت مقاييس الموتى على عقول الأحياء .

طبيعة العقلية العربية

ويكمن السبب الثالث لهذه النزعة الرومانسية في طبيعة تكوين العقلية العربية . فالمعروف عن العربي اتجاهه إلى اتخاذ مواقف عقلية متطرفة من الناس والعالم والأحداث حوله ، وإلى النظر إلى كل ما يصادفه، وكل من يلقاه، بمنظار لا يرى من الألوان غير الأبيض الناصع أو الأسود القاتم، دون الفروق الدقيقة في الأفكار والألوان والظلال، ولا يعبر عن رأيه إلا في صيغة منتهی التفضيل، ولا يرتاح خاطره إلا إن تطرف في أحكامه. فالشيء عنده إما ممتاز أو فظيع ،والعمل الفني إما أكثر من رائع ، أو في منتهى السوء،، والرجل إما ملاك كريم أو شيطان رجیم. وإذ كان مثل هذا الاتجاه العقلي لايرضيه إلا الإعجاب الحماسي أو الإدانة الكاملة، فإنه من النادر أن نسمع عربيا يقول في حكم له: « هو أميل إلى الجودة وإن كان يعوزه كذا، أو هو إنسان لا بأس به غير أنه كذا ..

وقد يرجع البعض هذا الميل إلى طبيعة الصحراء التي تركت أثرا عميقة في شخصية العربي. ففي الصحراء يعقب الشتاء القارس الصيف القائظ ، والليل ذا النسمة الباردة المنعشة نهار خانق . والبدوي فيها بصادف بعد السفر الطويل المضني في أرض قاحلة جرداء ، واحات وافرة الخضرة والمياه والظلال . وهو قد يلقي أثناء سيره بناقته التي تحمل كل ما ملكت يداه ،يجده من كل ثروته في دقائق ، فينتقل خلال هذه الدقائق من حال إلى حال . ثم ما هي الوديان الصخرية التي تظل معظم الحول في جفاف الموت ، يأتي الأمطار فتغطيها السيول المتدفقة التي تجرف أمامها كل ما اعترض سبيلها. فليس من المستغرب إذن أن نجد العربي في مسلكه الشخصي ينتقل من حال الهدوء والاستسلام والتوكل بغتة الى انفجار عاطفي مدمر، ومن الكرم المشرف على السرف إلى الحرص المشين وإلى الغدر ، ومن الشجار المبالغ في عنفه إلى الصلح والعناق وتبادل القبلات . ويأتي هذا الانتقال في سرعة عجيبة مذهلة ، لا تعرف مراحل متدرجة في المشاعر أو الأفكار .

وقد اثر هذا التكوين النفسي في أحكامه فلا يحسن غير المباركه أو اللعن ولم يخطر علي باله الدقة…
فالدقة إنما هي من معالم المجتمع الصناعي ومن المقتضيات الأساسية للحياة فيه. والفرد فيه إن أغفلها دفع ثمنا باهظا لهذا الإغفال. فعمله مرتبط بألة لا يسمح تسييرها بإغفال الدقة. والمؤاخذة العنيفة والجزاء في انتظاره إن هو تأخر عن عمله بضع دقائق. والعلاقات في مجتمعه خالية إلى حد بعيد من الاعتبارات الشخصية، وعليه إزاءها أن يكون دقيق فيما يقول أو يفعل..

أما الفلاح او البدوي الذي يتمتع بقدر أوفي من الاستقلال، ومن الحرية في أن يذهب ويجيء وقتما شاء ، وفي إطلاق الكلام على عواهنه، لن يؤدي خطا مفرد في عمله الى كارثة ، ولا بيان تعوزه الدقة إلى اضطراب في مجريات الأمور، فهو بمأمن من الأخطار التي تنجم عن المبالغة، ولا بأس من أن يطلق لنفسه العنان فيها .

واختصارا فإن المبالغة ظاهرة حضارية ،شديدة الارتباط بالاوضاع الاقتصادية والاجتماعية .

الهرب إلى الماضي

والسبب الرابع هو شغف العربي بالأوضاع والأشكال المثالية ، حتى مع إدراكه في قرارة نفسه أنها تناقض الواقع، وتخالف الحقيقة وطبائع الأشياء. وهو راجل في هذه الصور المثالية ما يرضي حاسته الجمالية إرضاء لا توفره فوضى الواقع الذي يعيش فيه وتعقده . وقد تمت من هذا الميل عنده طبيعة الأحوال الاجتماعية والاقتصادية المتردية حوله. فالإنسان الذي تعتمل في نفسه مطامح وأفكار ومشاعر ورغبات من الصعب او المستحيل عليه أن يترجمها إلى واقع بسبب الظروف التي يحيى في ظلها ، هو أميل من غيره إلى أن يلقي بنفسه في خضم عالم خرافي ، يرضيه عاطفيا ، ويسمح له بأن يعيش ولو للحظات قصار في جو من نسج مطامحه وأحلامه ، فإذا هو في فكره يراعي واقع الأمور، وينظر إلى الناس والأشياء وإلى الماضي كما يحلو له أن تكون عليه، لا كما هي عليه أو كانت عليه فعلا رغباته

وقد كانت تعاسة غالبية أفراد المجتمعات الإسلامية أحد الأسباب الرئيسية في اختيارهم الهرب إلى الماضي، علهم يجدون في « أمجاده » تعويضا عن واقعهم البائس. فهنا حاجة ماسة إلى أن يعثروا في تاريخهم على ایام تليدة مجيدة، سبقت و التدهور، الذي يعانون منه، وعلی شخصیات تاريخية تحيطها هالة ساطعة من البطولة والقدسية والصلاح، سبقت الخلف الطالح الذي يعايشهم.

وما دامت هناك مثل هذه الحاجة الملحة، فلا مفر من ظهور أناس يستغلونها ويجدون في محاولة إشباعها. فهناك من ناحية تلك التنظيمات الدينية المتطرفة التي يهمها أن تجتذب انصار جددة لها. وما من شيء يجذب الأنصار قدر ما يجذبهم الحديث عن روعة ماضي الأمة الإسلامية، وعن عظمة السلف الصالح، ثم عن فساد حال الأمة اليوم وكفر أهلها. هذا الموقف من جانب التنظيمات المتطرفة ليس في حقيقة الأمر موقف من يسعى إلى توفير الحلول لمشكلات مجتمعهم، وإنما هو موقف من يريد تخدير أناس فشلوا في حل مشكلاتهم، من اجل اجتذابهم بعد ذلك إلى هذه التنظيمات

وهناك من ناحية أخرى أولئك الوعاظ والمؤرخون والكتاب الإسلامين الذين يستجيبون لهذه الحاجة سعيا وراء كسب الرضا والشعبية، أو کسب المال والنفوذ. فالمؤرخ – كما هو معروف – إذ تجتمع لديه الحقائق والوقائع عن حقبة تاريخية أو علم من أعلام الماضي، يجد من المحتم عليه أن ينتقي منها البعض الذي يراه جديرة بالتسجيل، وأن يغفل البعض الآخر الذي يظله خليقة بأن يندرج في طي النسيان .وهو في حريته هذه أشبه بالمغناطيس: يجذب إليه من الحقائق التي أوردتها المصادر والوثائق ما يناسب أغراضه أو وجهة نظره، ويترك ما عداها. وكثيرا ما تكون هذه الأغراض هي أغراض عصره وجيله، كما أنه كثيرا ما يتبنى المؤرخ الانتهازي وجهة النظر التي سيسر الجمهور أن يراه قد تبناها.

مثل هذا الاتجاه شائع لدى مؤرخين من كافة العصور وشتى البلدان. غير أنه لم يحدث قط أن كان في مثل قوته التي نلمسها لدى مؤرخي الإسلام في عصرنا هذا، وهم الذين لا ينظرون إلى الوقائع والشخصيات التاريخية إلا باعتبارها مشجبة يعلقون عليه آراءهم ونظرياتهم التي سبق لهم صوغها قبل أن ينظروا في التاريخ لإثباتها.

مسلك مؤرخينا المعاصرين

هنا يصبح المؤرخ المزعوم أو كاتب السيرة ، كمن يدخل مغارة مظلمة وفي يده مثل الكشاف الكهربائي، يسلطه على هذا الركن من المغارة أو ذاك، وهذه الحيطان أو تلك، متجاهلا ما عداها عامدة متعمدة، ظانا أنه بوصفه لبنية المغارة بعد خروجه قد أسقط إلى الأبد نواحيها التي أغفلها واختار ألا يسلط الضوء عليها. غير أن هذه النواحي – للأسف – تظل قائمة رغما عنه، وعدم إنارتها لا يعني إزالتها ، والشقي البائس هو من صدق وصفه ، فهو الذي سيدفع ثمن تجاهل سائر الجوانب والأنحاء.

فكتاب السير الإسلامية ومؤرخو الإسلام في زماننا، إذ يريدون الاستجابة لحاجة المسلمين إلى أمجاد للماضي، وإلى بطولات وسلف صالح، يعمدون إلى لوي الحقائق، وتطويع الثابت، وحذف الشهادات التاريخية والإغضاء عنها، غير مدركين أن مسلكهم هذا من شأنه أن يجعل دراسة و التاريخ، عبئا في عبث.

بل إن كاتبا مستنيرا جريئا مثل طه حسين، نجده في كتابه الفتنة الكبرى، لا يتردد في رفض ما شهد به كافة المؤرخين المسلمين القدماء بشأن الأسباب التي أدت إلى عزل عثمان بن عفان لسعد بن أبي وقاص عن ولاية الكوفة، ويبني رفضه على حجة واحدة ،هي أن سعد، وهو الذي فداه رسول الله بأبيه وأمه يوم أحد، وهو ثالث ثلاثة في الإسلام، وأول رام بسهم في سبيل الله ، قد رضي عنه رسول الله وجعله في العشرة الذين ضمن لهم الجنة. فمن أتيح له هذا الفضل كله لا يمكن أن يلتوي على بيت المال بدين قل أو كثر، ولا أن يشك فيه عبد الله بن مسعود هذا الشك!

فإن كان هذا هو موقف طه حسين، فليس من المستغرب أن يتجاهل غيره من المحدثين بعض روایات القدماء عن سعد مثل : ( عن الترمذي أن عبد الرحمن بن المسور قال: خرجت مع أبي وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن الأسود إلى سرع، فأقمنا بها خمسين ليلة ، ودخل علينا رمضان، فصام المسور وعبد الرحمن وأفطر سعد وأبى أن يصوم. فقلت له : يا أباإسحاق، أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدت بدرا ، وأنتتفطر وهما صائمان ؟! فقال سعد : أنا أفقه منهما.

ومثل : عن ابن جریج: حدثني زكريا بن عمرو أن سعد بن أبي وقاص وفد على معاوية ، فأقام عنده شهرة يقصر الصلاة ، وجاء شهر رمضان فأفطره ،. ومثل : ( عن جابر بن سمرة : شكا أهل الكوفة سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب، قالوا إنه لا يحسن أن يصلي، فبعث عمر رجالا يسألون عنه بالكوفة فقيل لهم : أما إذ نشدتمونا بالله فإن سعدة لا يعدل في القضية، ولا يقسم بالسوية، ولا يسير بالسرية ،.

ومثل : ( عن أسد بن موسی : كان لعبد الله ابن مسعود على سعد مال، فقال له ابن مسعود : أد المال . قال: ويحك | والله اني لأراك لاقي مني شرا. هل أنت إلا ابن مسعود عبد بني هذيل؟ قال ابن مسعود : أجل والله، وإنك لابن حمنة. فتدخل هاشم بن عتبة وقال لهما : إنكما صاحبا رسول الله ينظر إليكما الناس !

مثل هذه الأمور لا تسيء إلى سعد رضي الله عنه، وإنما هي تؤكد أنه حتى أفراد السلف الصالح كان بهم من جوانب الضعف ما بنا، وأنهم ليسوا بالمنزهين عن الخطأ، ولا هم بمعجزي الخلف عن الاقتداء واللحاق بهم

الخاتمة

لقد أدرك أهل الغرب أنه لا بد في الدراسات التاريخية من قدر كبير من الموضوعية إن شاء الناس أن يفهموا أنفسهم ومجتمعهم ، وأن يدركوا أبعاد حاضرهم، وأن هذه الموضوعية لن تتأتى إلا بالتزام صارم بالمنهج العلمي في
البحث ، لا تؤثر فيه المشاعر القومية، أو الآراء السياسية ، أو الاحتياجات النفسية….. أما نحن ، فإنما نريد أن تكون كتابة التاريخ على ضوء أهداف محددة سلفا، ( ولو كان من محدديها موظفون بوزارة التربية والتعليم )، وأن نفهم أنفسنا الفهم الذي نهواه ، وأن تفرض الحقيقة السيكولوجية نفسها على المؤرخ وكاتب التراجم لا الحقيقة المطلقة.

وليس ثمة مخرج لنا من هذا التحجر الذي نعاني منه، سوى بالكف عن الحنين إلى الماضي ، إلى ماض هو- إلى حد كبير – من نسج خيالنا نحن وخيال مؤرخينا ، وإلى الأيام المجيدة التي عاشها الصحابة والتابعون ، وعن التحسر على أنفسنا ، والسير هائمين وقد التوت أعناقنا من فرط تلفتنا إلى الوراء ، بدلا من التطلع دوما إلى مستقبل أفضل، عندئذ يمكننا أن نتحرر كما تحررت الفتاة في ختام رواية هنري چیمس، وذلك حين أدركت حقيقة بسيطة للغاية: هي أنه ليس هناك ما يحتم عليها أن تكون كأمها…..

Mahmoud_Abdelfattah

مهتم بالاداب والفنون والتاريخ الاسلامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى