سياسة وتاريخ

تأملات في الذكرى العشرين لاغتيال عبد القادر حشاني

أعادت بعض المعارضة السياسية للنظام القائم في الجزائر من 1962 التذكير بحادثة اغتيال المثقف والأستاذ الجامعي والقيادي في حزب الجبهة الإسلامية المحظور بالجزائر، بعد عشرين سنة من وقوع الجريمة السياسية بامتياز، وهذا في سياق الحراك الثوري الجاري في الجزائر منذ أزيد من تسعة أشهر مطالبا بالانتقال الديمقراطي والقطع النهائي مع منظومة حكم سلطة الاستقلال التي أخفقت في مشروعها لتجسيد قيم ومبادئ التأسيس الوطني التي أُعلن عنها في بيان الثورة التحريرية في أول نوفمبر 1954.

لعل مبتغى الاحتفال النوعي وغير المسبوق بذكرى اغتيال هذا القيادي الشاب الذي رشَّد الأداء السياسي لحزب لم يلتفت بالموضوعية المعرفية والعلمية لمراحل تطوره السياسي السريع، من قبل المهتمين بشأن وتاريخ البلاد السياسي حتى يغدو ذخرا للتجربة الوطنية في النضال والعمل الوطني والسياسي.

عبد القادر حشاني ومن رافقه في المرحلة الثانية من صراع الشارع السياسي الإسلامي مع نظام تبين فيما بعد أن رفضه لم يكن للإسلاموية كنشاط سياسي مرخص له رسميا فحسب، بل للديمقراطية التي كانت ستحول دون بقاء امتيازات عُتاته وقادته العسكريين ومن يواليهم من القادة السياسيين المناوئين وقتها للتيار الإصلاحي بداخله الذي كان يقوده الرئيس الشاذلي بن جديد.

مراحل الاحتواء التعددي

تنبغي الإشارة في البدء، إلى أنه يغيب عن وعي الكثيرين ممن ينتقدون تيار المغالبة الإسلامي، ويحملونه السبب الأول والأوحد في انتكاسة التجربة الديمقراطية الأولى والفريدة في نوعها بالمنطقة، والتي لم تدم أكثر من ثلاث سنوات (1989/1992) أن النية في عدم الانتقال كانت مُسبقة مضمرة لدى قوى عنيدة داخل السرايا ولم يكن النظام منسجما بخصوص الانفتاح والتحول من نمط في الحكم جهر بفشل مشروعه الانقلابي الأول سنة 1962 إلى حكم يستجيب لتطلعات الجيل الجديد من الجزائريين.

بهذا المعنى يصبح ما حدث من مواجهة وتدمير للعمليتين السياسية والانتخابية في الـ 12 يناير 1992 تحصيل حاصل ليس إلا، فأي تيار من المعارضة المتأصلة والمستأصلة في مشروعها لقواعد النظام القديم وبنيته الأمنية الصلبة، كانت وبحجة وضع حد لمغامرتها وتهديدها لأمن واستقرار البلاد وبقاء ثوابتها، سيجهز عليها وعلى نطاق التعددية والديمقراطية بالقوة.

هذا ما تؤكده بالضرورة سياقات تطور الأداء السياسي لنواة النظام الصلبة (المؤسسة العسكرية) و الأحزاب العتيدة وذات القواعد الشعبية والجماهيرية الواسعة مباشرة بعد إضراب الجبهة الإسلامية للإنقاذ احتجاجا على التقسيم الإداري للانتخابات التشريعية الذي ابتغي من ورائه إضعاف الإسلاميين الإنقاذيين في معركة الاقتراع الذي كان مبرمجا في شهر جوان 1991.

فالكل يتذكر كيف أنه بعد فض ساحات الاعتصام بالقوة واعتقال القادة التاريخيين للجبهة الإسلامية للإنقاذ (عباسي مدني، علي بن حاج، محمد السعيد، عبد القادر عمر، نور الدين شيغارة، كمال قمازي وعبد القادر عمر) باعتبارها القيادة الصدامية المتطرفة، برزت قيادة جديدة شابة ذات تكوين تقني عال في مؤتمر باتنة سمي حينها بمؤتمر الوفاء، يعني الوفاء لمسلكية الجبهة السياسية الأصيلة وقيادتها المسجونة، والحقيقة أن الوفاء لتلكم المسلكية لم يتعدى نطاق الرمزية لحماية المسجونين وإظهار الولاء الكامل والمستمر لهم حتى لا يبطش بهم النظام بالأداة القضائية العسكرية.

لكن الأداء السياسي لتلك القيادة الشابة بزعامة المهندس البترولي الراحل عبد القادر حشاني كانت تقطع نهائيا مع أداء القيادة التاريخية، إذ حاولت التموقع في ساحتي، المواجهة (مع النظام) والتكامل والعمل السياسي (مع المعارضة) بالموضوعية المثلى كاستراتيجية هاته المرة وليس كتكتيك، وهذا ما كانت تغفل عنه القيادة الأولى المعجبة كثيرا وقتها بضخامة وعائها القاعدي معتمدة عليه كورقة انتخاب وحماية (من بطش النظام) وأداة ضغط سياسي عليه وعلى كل منافسي الجبهة السياسيين.

من شعبوية الخطاب إلى عقلانية التخطيط

فعبد القادر حشاني ومن رافقه في إدارة المرحلة الثانية من صراع الجبهة الإسلامية للإنقاذ مع السلطة، آثر الانزياح إلى الحظيرة الوطنية ومحاولة التكامل معها بدلا من استعدائها كما كان حاصلا مع القيادة الأولى المتكئة على السيل الشعبي الهادر في شوارع الجمهورية، والمندفعة بوهجه نحو المواجهة المكشوفة مع السلطة، حيث غلب الخطاب الشعبوي لديها على التخطيط والافتخار على التبصر والتفكر حتى خيل إليها أنها باتت على بعد ثوان وأمتار من قصر الحكم الجمهوري.

حشاني انتقل بالنهج الإنقاذي من الخطابية المفوهة إلى التخطيطية المُمنطقة بعد إذ، اتضح للجميع أن تيار المغالبة الذي كان يقود الجبهة الإسلامية قبل مؤتمر باتنة صيف 1991 لم يكن على دراية بحقيقة ما كان حاصلا داخل السرايا من جدل بخصوص جدية الانتقال الديمقراطي من عدمها، ورجحان كفة التيار الاستئصالي بعد تعيين نزار وزيرا للدفاع سنة 1990 وإعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والاستخباراتية بما يضمن التحول إلى مرحلة جديدة من التعامل مع الديمقراطية الفتية متصدرا مشهدها التيار الإسلامي الشعبوي.

عليه فأول ما حرص على إنجازه عبد القادر حشاني هو استكمال الطريق الانتخابي مع القبول بالعودة إلى التموقُع داخل العائلة السياسية التعددية التي كانت تحوي في داخلها تيارات جادة وذات تقاليد راسخة في معارضة النظام السياسي الجزائري كعنصر كبقية عناصرها وجزء لا يتجزأ منها، ما يعني أن حشاني حرر مصير القرار السياسي للجبهة من رهان الشارع وزخمه وأعاد عقْلنة عملية طبخ هذا القرار على النار الهادئة الطبيعية التي تفرض وقتها الكامل غير مستعجل للنضوج.

تيار الرشاد الإنقاذي وخطره على ورقة طريق الاستئصال المسلح

هكذا اقتدار من عبد القادر حشاني في مراجعة وتدارك التمشي السياسي الأول لأكبر حزب إسلامي في العالم العربي وقتها، أرعب قوى الاستئصال في النظام التي أوقفت المسار الانتخابي الناجح بإفرازه لثلاث جبهات قائدة لمنظومة العمل السياسي والحزبي الجديد في الجزائر كانت ستغدو بمثابة القطبيات الرئيسة التي تختزل المشهد السياسي وترتسم كتيارات تقليدية في مسار التعددية بالجزائر تماما مثلما هو عليه الحال بين الاشتراكيين واليمينيين في فرنسا، والديمقراطيين والجمهوريين في أمريكا.

الجبهة الإسلامية كانت ستغدو رائدة التيار الإسلامي والأمر مثله مع جبهة القوى الاشتراكية بالنسبة للديمقراطيين العلمانيين، في حين يجد الوطنيون في جبهة التحرير قلعة مثلى لتيارهم، وبالتالي كانت ستتشكل المعالم الكبرى لمستقبل النشاط الحزبي والسياسي للبلاد، فتم الإجهاز العنيف على الفكرة واستئصال بذرتها بالقوة ونتائج ذلك الجرم المشهود تعيشه البلاد اليوم في ظل عدم عثور بقايا النظام على معارضة جادة يتواصل معها لتأطير الحراك الشعبي وحلحلة الأزمة الحاصلة معه منذ تسعة أشهر.

سياق الاغتيال

هنا تطرح أكثر من علامة استفهام حولي مسألة اغتيال عبد القادر حشاني في التوقيت الذي حصل فيه (شتاء 1999) وبتلك الطريقة الغبية التي عكست مستوى المأزق الذي عاش فيه النظام ولا يزال كتبعات لتراكم تداعيات بادرته الخطيرة باجتياح واستباحة التعددية وعدم تركها تأخذ طريقها نحو النضج والتطور الذي كانت تمضي عليه بسرعة، كما تبين لنا من سياق رسم مسار تطور الأداء السياسي للجبهة الإسلامية للإنقاذ تحت وقع الأحداث، لأن الأحدث في المنطق البوليتولوجي مثل يصنعها السياسي تصنع هي بدورها هذا السياسي وتعيد تشكيله ورسم خياله مجددا من خلال إفرازات النشاط الاستراتيجي وتداعياته للساسة.

فحشاني بعد أزيد من ستة سنوات من السجن، تزامن إطلاق سراحه مع اعتلاء بوتفليقة لرئاسة البلاد بقرار من المؤسسة العسكرية ووفق صفقة تمت بين الطرفين يومها.

بيد أنه سرعان ما بدأ الخلاف يدب بينها (بوتفليقة/العسكر) في كيفية تقاسم الصلاحيات، وتجلى ذلك في التصريحات المدوية التي كان يدلي بها بوتفليقة بمناسبة وبغيرها، يناقض فيها أحيانا الخطاب الانقلابي الذي امتد من سنة 1992 إلى 1999 كمثل اعتباره في تصريحه الشهير على هامش المنتدى الاقتصادي كرانس مونتانا بسويسرا لوقف المسار الانتخابي سنة 1992 عنفا، ما فجر غضب قيادة العسكر وقتها، واعتبر بمثابة شرارة الخلاف وربما الطلاق بين المبكر بين الطرفين، وتأكد ذلك الأمر  في انتخابات العهدة الثانية سنة 2004 حين حاول العسكر إزاحة بوتفليقة، غير أنهم واجهوا ظروفا سياسية وطنية ودولية جديدة ليست كظروف مواجهة جبهة الإنقاذ في يناير 1992.

فما علاقة حشاني بكل هذا الذي سقناها؟

المعروف عن بوتفليقة طريقته في استعمال كل المتناقضات من أجل أن يصل إلى بغيته في حسم معاركه مع المجهول والمعلوم من خصومه على حد سواء، وأي توظيف لعبد القادر حشاني من بوتفليقة كان سيؤدي حتما إلى مخاطر جمة على مناوئيه من قادة عسكر الانقلاب الذين أتوا به إلى الحكم قبل أن يخاصمهم، لذلك ظل العديد من الملاحظين يركزون على سياق اغتيال عبد القادر حشاني الزمني والسياسي لتأكيد طابعه السياسي وليس بالفعل المعزول مثلما هو مزعوم، وهو ما سيظل علامة فارقة في تاريخ الجزائر السياسي لما بعد التعددية الثانية الموؤودة عبر مساريها الديمقراطي والانتخابي.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"
زر الذهاب إلى الأعلى