أسلوب حياة

تأشيرة النفاذ للعقول: هل اللغة ثوب الفكرة أم جسمها الحقيقي؟

«اللغة تأشيرة الدخول إلى الوطن»، هكذا عبر المفكر غوسدروف، موضحًا الصلة الوثيقة بين اللغة والفكر في تشكيل العقل الجمعي.

باللغة وحدها تستطيع ترجمة المشاعر والأفكار بكلمات ورموز ذات معنى، وكل نشاطٍ بشري يبدو مستحيلاً دونها، كون اللغة وسيلة هامة لمعالجة أية مشكلة باستعمال الألفاظ اللغوية.

وتعد اللغة والفكر وسيطان بين الإنسان والحقيقة، فهما منطلق لتشكل المعرفة الإنسانية، ووسيلة لتخطي تلك المعرفة حواجز الزمان والمكان.

اللغة من المفاهيم المعقدة والشائكة؛ نظراً لما تطرحه من قضايا جدلية وفلسفية متباينة، فهي ترتبط بدراسات نفسية وفسيولوجية.

ومن هذا المنطلق، تباينت تعريفات الفلاسفة لمفهوم اللغة؛ إذ أن كل فيلسوف يعرفها حسب مفهومه الخاص، إلا أنهم أجمعوا على أن اللغة هي «ألفاظ منظمة لها دلالات معينة».

ويعد علاقة اللغة والفكر من أكثر ما أثار اهتمام الفلاسفة، فقد انقسموا إلى مؤيد ومعارض؛ منهم من يراها «علاقة اتصال»، والبعض الآخر يراها «علاقة انفصال». مما يجعلنا أمام اتجاهين:

أنت تفكر داخل الكلمات.. والعكس صحيح أيضًا

«الألفاظ حصون المعاني، إننا نفكر داخل الكلمات» هاملتون

يتزعم كلًا من الفيلسوف هاملتون وهيجل الاتجاه الأحادي الذي يؤمن بأن العلاقة بين اللغة والفكر هي علاقة اتصال. حيث أن المقصود بـ«الألفاظ والمعاني» في مقولة هاملتون الشهيرة التي تم الإشارة إليها، هو «الفكر».

وفي ذات الإطار، يقول الفيلسوف الفرنسي لافال: «ليست اللغة كما يعتقد البعض ثوب الفكرة ولكن جسمها الحقيقي»، في دلالة على اتصال مفهومي اللغة والفكر.

كذلك أثبتت دراسات علم نفس، بأن الطفل في مراحل حياته الأولى يكون جاهلًا بالعالم المحيط إلى أن يتعلم الألفاظ والجمل، فتتكون لديه الأفكار تدريجيًا وصولًا إلى تكوين شخصيته الكاملة.

وبالتالي، الطفل يكتسب اللغة والفكر في آنٍ واحد، فلا يوجد تصور في الذهن بدون لفظ يكونه ويشكله في صورة كلمات وجمل تعبر عن مكنونه.

وعلى الجانب الآخر، يوجد مآخذ وانتقادات يمكن أن توجه لأصحاب هذا الاتجاه؛ أهمها عجز اللغة عن التعبير عن بعض التصورات والأفكار الخاصة.

كم مرة تعثرت في حديثك وأيقنت أنك لا تجد الكلمات المناسبة لوصف حقيقة شعورك. فالواقع يؤكد أن الإنسان يملك أفكارًا أكثر بكثير مما يملك ألفاظاً.

اللفظ مقيد المعاني وقاتلها

«الألفاظ قيود المعاني» برغسون

يرى الفيلسوف برغسون الذي مثّل الاتجاه الفلسفي الثاني الذي يرى أن العلاقة بين اللغة والفكر هي علاقة انفصال ولا يمكن أن يحدث بينهما تكامل.

انتقد برغسون دور اللغة واعتبرها «قاتلة» للأفكار؛ دليله في ذلك أن المعاني تتدفق باستمرار عندما يكون الإنسان في حالة وعي، في الوقت الذي تكون فيه الألفاظ منفصلة عن بعضها البعض.

وأكبر دليل على عجز اللغة، كما يزعم ذلك الاتجاه، أن الإنسان يجد صعوبة في التعبير عن أفكاره، مما يدل على تراجع أهمية اللغة التي تمثلها إشارات وعبارات محددة في عالم الفكر الأوسع.

كذلك يلجأ الإنسان إلى وسائل أخرى للتعبير عن أفكاره بخلاف اللغة، كالموسيقى والرسم وغيرها، مما دفع البعض للقول بأن «أجمل الأفكار هي التي لم تكتب» بحسب قول المفكر فاليري.

ومن النقد الموجه لذلك الاتجاه، أنه بالرغم من استطاعته إثبات عجز اللغة عن حمل الأفكار في بعض الأحوال، إلا أن هذا لا يعني أن اللغة عاجزة عن مسايرة الفكر وأن تكون ضمن أدواته.

وتبقى اللغة هي الوسيلة الأكثر استعمالًا لنقل الفكر، ولا يمكن أن يكتب النجاح لأي محاولة للفصل التام بينهما. فاللغة والفكر وجهان لعملة واحدة، والعلاقة بينهما هي علاقة تكاملية تخدم كل منهما الآخر.

اقرأ أيضًا: في أي عمر يجب أن أتعلم اللغة؟

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق