سياسة وتاريخ

تأجيل الانتخابات الفلسطينية وانعكاساته

مجدداً، تتخذ السلطة الفلسطينية من القرارات ما مِن شأنه شقّ الصف الوطني الفلسطيني، و تسميم مزاج الشارع الإيجابي بجرعةٍ إحباطٍ مكثفة.

تأجيل إجراء استحقاقٍ بحجم الانتخابات الفلسطينية التشريعية والرئاسية “حتى إشعار آخر”، انتظاراً للفرج من سلطات الاحتلال، متمثلاً بسماحها بإنخراط المقدسيين في العملية الانتخابية، قرارٌ متسرّع ومحبِط، من حيث أنه لايقدم أي تبرير عقلاني يمكن للفلسطينيين “هضمه”…

إنه بكل بساطة؛ تجنّب صريح لخيار المواجهة مع الاحتلال، على الرغم من أن المناخ الفلسطيني العام (والمقدسيّ على وجه خاص) مهييءٌ تماماً لمثل هذا الخيار، بالنظر لما أنجزته الطليعة المقدسيّة في الأيام الأخيرة من انتصارات ميدانية ملموسة، أعادت بريق النّجاعة لنظرية المجابهة المباشرة مع الاحتلال وإن كان السلاح المتوفر صدوراً عارية وإرادة لاغير، وأثبتت أنها ليست خياراً عبثياً البتّة، بل خيارٌ واقعيّ يكفل الاحتفاظ بما تبقى من الحقوق، و يفتح آفاقاً أفضل لإمكانية انتزاع المزيد منها ولو بعد حين.

وفي سياق مقارنة هذا الخيار مع سياسة اللاسلم واللاحرب التي انتهجتها السلطة الفلسطينية منذ ما بعد انتفاضة الأقصى عام 2000 و رحيل ياسر عرفات، والتي لم تعُدْ على المشروع الوطني بأي نفع يُذكر، كما هو معلوم، بل أوصلته إلى مرحلة من الجمود والتشنج، مما أسهم تراكميا بتراجع الاهتمام العربي بالقضية الفلسطينية كقضية مركزية، تصبح مواجهة الاحتلال وصفة وحيدة لمعالجة الجسد الفلسطيني من الجراح التي أحدثها به خيار التسوية…

في أغلب محطّات الصراع مع الاحتلال، تفرّدت السلطة الفلسطينية بكونها الطرف الوحيد الذي عضّ بالنّواجز على “الشرعية الدولية”، في الوقت التي أمعن الإسرائيليون صراحة على إدخالها (أي الشرعية الدولية) في مرحلة الموت السريري المستدام.. وبالتمسك بحبل المجتمع الدولي سلاحاً وحيداً أوحداً، حاولت السلطة الفلسطينية – عبثاً –  ثنيَ الاحتلال عن المضيّ بارتكاب جرائمه بالتنكيل بالفلسطينيين وقضم أنشطته الاستيطانية للمزيد من أرضهم. وكان الواقع الميدانيّ يُثبت في كل مرّة أن إسرائيل تكسب كلّ الجولات، وأن هذا المجتمع الدولى و شرعيته، أقرب لكونه “نكتةً” من أن يكون حقيقة فاعلة تحدث على الأرض أي فارق..

أكثر من ذلك، قامت إدارة البيت الأبيض السابقة بكل ما مِن شأنه دفن الشرعية الدولية (رغم دورها الذي لم يتعدى البريستيج)، واستبدالها بشرعية الواقع القائم على الأرض الجديدة، والتي تحسم كلّ القضايا العالقة لصالح تل أبيب. فكانت صفقة القرن إعلاناً رسمياً بهذا الصدد، و شاركت في هندستها وتمويلها -صراحةً هذه المرة- قوىً إقليمية عربية كانت في السابق تُحسب عمقاً استراتيجياً للفلسطينيين، وكان كلّ ما بعدها من مسلسل التطبيع المجّاني الذي مازالنا لم نشهد آخر حلقاته بعد.

لكن لحسن حظّ الفلسطينيين فقد سقطت هذه الإدارة الأكثر عداءاً للحق الفلسطيني، و جاءت إدارة جديدة تؤمنُ بحلّ الدولتين، بالمعنى الذي لايُقرّ بكل المكاسب التي تحققت لحكومة نتانياهو بفضل دعم فريق الإدارة السابقة، ومعه عرب التطبيع على حساب هذا الحق. مع التنويه طبعاً على أن الكلّ الفلسطيني لا يُعوّل على الإدارة الحالية في أن تنحاز إليه على حساب علاقتها الاستراتيجية مع حليفها التاريخي؛ إسرائيل، بل يجدها أقل سوءا إنجاز التعبير..

اللافت اليوم بعد قرار رام الله بتأجيل الانتخابات، هو أن غالبية لاعبي الشرعية الدولية من دول أوروبية كبيرة تأسف على على قرار تأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية الفلسطينية، و تطالب السلطة الفلسطينية و الإسرائيليين بتوفير ما يلزم لإجرائها (بما في ذلك في القدس) في موعدها. أي أننا أمام مفارقةٌ تاريخية مفادها أن قرار أبو مازن بالتأجيل لايتوافق حتى مع الرغبة الدوليّة في هذا الشأن، والتي تتماهى للمرة الأولى مع رغبة كلّ ألوان الطيف السياسي في فلسطين، إلا القيادة الفلسطينية!

ينضج السؤال هنا؛ ما الذي دفع الرئيس والدائرة المحيطة به من قيادة فتح والسلطة لمثل هذا القرار؟ وما الذي تعتقد هذه القيادة بأنه سيجبر إسرائيل بعد قرار التأجيل هذا على السماح بإجراء الانتخابات في القدس؟

كثير من التساؤلات في البيت الفلسطيني تنتظر إجابات مقنعة من القيادة الفلسطينية على ماحصل. وما حصل ليس بالخطأ البسيط أبداً، بل إنه يرتقي لأن يكون إجهاضاً لمُخرجات مسار التوافق الفلسطيني الفلسطيني ذات الشأن، و تسفيهاً لما أنجزه أهل القدس في معركتهم البطولية مع الاحتلال. في وقت يستحقون فيه أن يحظوا بثقة القيادة الفلسطينية بقدرتهم على لعب دورهم في هذه الانتخابات في مدينتهم رغم أنف الاحتلال، وإن كانت كلفة ذلك فتحهم لمعركةٍ جديدة.

ماحصل هو فصل جديد من فصول الإفلاس والترهل، وهو يؤكد أن الانتخابات باتت ضرورة جِدّ مصيرية للخلاص، ولإعادة الأمل للشارع الفلسطيني المثقل بالآلام. وعلى كل الفلسطينيين اليوم استثمار حالة الزخم “الانتفاضوي” الأخيرة، للنهوض بوجه قيادتهم و وقفها عن السّير قدماً بسياسة ترحيل الأزمات للأمام، هروباً من أي خيار تصادميٍّ مع الاحتلال، رغم جلاء حقيقة أن هذا الخيارُ يترجم إرادة الشارع بكل تفاصيله…

لم يبقَ هناك ما يُخشى منه.. أو ما يخشى عليه.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى