ثقافة و فنون

تأثير بيجماليون

هل يعتمد أداء التلاميذ على النظرة التي يحملها المعلمون تجاههم؟

في الأساطير الإغريقية، يقع النحات (بيجماليون) في وقع حب (جالاتيا)، وهي التمثال الذي قام بصنعه. استجابة لرغبته، قامت (أفروديت)، إلهة الحب، ببث الحياة في (جالاتيا). وفي عام 1968، ألهمت هذه الأسطورة الجميلة باحثين أمريكيين ، هما روبرت روزينتال ولينور جاكوبسون، اللذين درسا تأثير نظرة المعلمين على تلاميذهم في كتاب يحمل عنوان (بيجماليون في المدرسة).

إذا كنتم تعتقدون أن تلاميذكم سينجحون، فهل سيتحقق ذلك؟

لقد درسنا بالفعل تأثير التوقعات على السلوك، تحت الاسم الذي اخترعه عالم الاجتماع روبرت ميرتون في عام 1948  : النبوءة ذاتية التحقق  “self-fulfilling prophecy“. أجرى روزنتال نفسه تجربة على الفئران ولاحظ أن الفئران التي وُصفت على أنها “ذكية” قد أعطت إجابات صحيحة في اختبار متاهة أكثر بمقدار الضعف من تلك التي وصفت على أنها  “غبية”.

في خريف عام 1964، أخضع روزنتال تلاميذ مدرسة Oak School (كاليفورنيا( لاختبار مصمم لتحديد أولئك “الذين من المرجح أن يظهروا تفوقا دراسيا” في السنة الموالية؛ ثم أعطى المعلمين لائحة ب”المتوفقين” الذين سيكونون في أقسامهم. في الواقع، تم سحب المتفوقين المزعومين عن طريق القرعة !

وفقا للدراسة، فإن الأساتذة يعاملون تلاميذهم معاملة أكثر لطفا وأكثر ودية وحماسا عندما يتوقعون منهم نتيجة أفضل. من السهل أن نتخيل أن هؤلاء التلاميذ، الذين شجعهم الاهتمام الذي تلقوه، آمنوا بأنفسهم بشكل أكبر وعملوا بجد. في مقدمة الكتاب، استشهد (هنري بيكينو) بمقولة الفيلسوف (آلان): “لا يمكن للمرء أن يُدرس دون افتراض كل الذكاءات الممكنة التي يمتلكها الطفل”.

و”لأسباب أخلاقية” لم يختر روزنتال إلا التوقعات الإيجابية – التي جاءت منها، دون شك، تسمية تأثير بيجماليون.

تأثير بيجماليون أم تأثير روزنتال ؟

يمكن للمرء التشكيك في هذا بكل سهولة، حيث لقيت هذه الدراسة صدا واسعا سواء في أوساط المعلمين والباحثين في علم النفس. وفي سنة 2003، أعد اثنان من هؤلاء، وهما (ديفيد ترويلو) و(فيليب سارازين) من جامعة غرونوبل، خلاصة حول هذا الموضوع(1) :  يُعتبر” تأثير بيجماليون” واحدا من أكثر الأبحاث إثارة للجدل في تاريخ العلوم الإنسانية والاجتماعية ، ولدت ردي فعل “غير متناسبين بالقدر نفسه”. فمن ناحية، قبل المتحمسون هذه النتائج دون إبداء انتقادات، كما حاولوا استخدامها كطريقة للتخلص من أوجه عدم المساواة في المدرسة، عن طريق إساءة تفسير دراسة روزينتال و جاكوبسون (1986) كدليل على التأثير الهائل لتوقعات المعلم. ومن ناحية أخرى، نجد “المشككين” الذين انتقدوا بحدة دراسة روزينتال و جاكوبسون(2)، لاسيما من الناحية المنهجية، وأظهروا، عن طريق إعادة الاختبار، أن النتائج المحصلة أدنى  بشكل عام من تلك المسجلة في كتاب (بيجماليون في المدرسة).

لقد خضع البحث الذي أجراه (روزينتال) و (جاكوبسون) للعديد من التكرارات لاختبار مدى ملائمته، تبين منها وجود تأثير للمعلم بالفعل، غير أنه أضعف بكثير مما ادعى الكاتبان. ألن يكون،إذا، تأثير بيجماليون سوى ثأثير زوزينتال؟ كلى، لأن الثأثير حقيقي على أي حال. إضافة إلى ذلك، يؤكد (ديفيد ترويلو) و(فيليب سارازين) أن الأبحاث “تمكن من إثبات وجود ثأتير بيجماليون وصحته  دون أي لبس”، فحسب الكاتبين، يبدو أن المعلمين يقدمون فرصا أكثر للتلاميذ الذين يعلقون عليهم توقعات عالية، ويمنحونهم المزيد من الوقت لتنظيم أجوبتهم والعمل بشكل مستقل، وغالبا ما يطرحون عليهم أسئلة. في المقابل، يستجوب المعلمون بوتيرة أقل التلاميذ الذين تم التنبؤ بكونهم ضعيفين، وعندما يحدث ذلك، يطرحون عليهم أسئلة سهلة ويميلون لإعطائهم الأجوبة بسرعة.

ومع ذلك، لا يظهر هذا التأثير بشكل منهجي، إذ تختلف أهميته حسب المعلمين والتلاميذ. وفي هذا الصدد، قدمت إحدى الدراسات خبرين سارين؛ فمن ناحية، فإن التلاميذ الذين يعانون من صعوبات هم الذين يستفيدون أكثر من تأثير بيجماليون. ومن ناحية أخرى، عندما يتنبأ المعلم بنجاح التلميذ يكون تأثير بيجماليون  أكثر قوة منه عندما يتنبأ بفشلهم(3).

المصدر : مجلة Science Humaines  الفرنسية، العدد 54

برجاء تقييم المقال

الوسوم

ياسين ادوحموش

مترجم ومدون من المملكة المغربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق