مدونات

بيوت الله لا تغلق

المسجد؛ ذلك البيت الطاهر النقي الذي وجد لتأدية فرائض الصلاة فيه، فتؤدى فيه الصلوات الخمس وصلاة التراويح في رمضان، وهو من أكثر البيوت التي لا تعرف أبوابها القفل فهي مفتوحة في البرد الشديد والحر القاتل، مفتوحة ليلاً ونهارًا وتستقبل كل الفئات العمرية وكل الناس دون تمييز أو تدقيق، فالجميع يحق له دخول بيوت الله ولا أحد بإمكانه منعه من الدخول، فهي بيت الله وليس بيت البشر لكي يقرروا من يدخل ومن يخرج ومتى يغلق ومتى يفتح، وهذا معروف منذ القدم، وأصبح طبيعيًا وليس فيه الدهشة أو الاستغراب.

إلا أن الذي أيقظ دهشة الجميع من مسلمين وغير مسلمين هو إغلاق بيوت الله التي لا بد أن تبقى مفتوحة؛ فهي بمثابة الباب الذي يدخل منه الإنسان والعبد لربه، ويتقرب منه أكثر قادمًا وتاركًا كل شيء وراءه سوى أفعاله ونواياه يصطحبهما معه.

شهدت بيوت الله خلال هذه الأيام قفلًا كليًا وليس جزئيًا، ولم يقتصر القفل على أوقات أو أشخاص أو مناطق معينة، وإنما قفل كامل شامل بقرار الإغلاق على جميع المساجد، ومنع الجميع من الدخول تحت قوة قاهرة وطارئة ألزمت أصحاب القرار من وزارات الأوقاف ومشايخ الأمة بمثل هذا القرار، والقفل الذي ألم بنا كثيراً وجعلنا نبكي عند سماع المقطع الأخير من الأذان الذي يقول “الصلاة في بيوتكم”، فأي ذنب ارتكبته أمة محمد ليتم إغلاق المساجد وحرمانه من حلاوة ولذة وأجر الصلاة والذهاب إلى المسجد الذي بات مهجوراً اليوم؟ وإغلاق أبوابه أمر إلزامي لا بد أن يطبق ويحترم سواء قبلت أم رفضت.

فيروس كورونا هو السبب، هذا الوباء الذي أدى إلى هجر بيوت الله لأن الأرواح مهددة، وللحماية والحرص على حياة البشرية تم إغلاق بيوت الله، البيوت التي لا تغلق مهما كان ومهما حصل إلا أن فيروس كورونا تمكن من منع الصالحين من تأدية فريضة الصلاة بالمسجد، وتأديتها بالبيت خوفًا من التجمعات التي تساعد في نشر هذا المرض الفتاك، الذي ألزمنا وألزم ذوي الشأن على اتخاذ هذه الخطوة الأليمة الجريئة التي لا تحدث ولا يمكن أن تحدث، فبيوت الله وأبوابها لم تبنى ليتم إغلاقها، فهي كباب التوبة مفتوحة وكالرحمة التي لا يحرمنا منها خالق الكون.

بيوت الله لا تغلق إلا أنه تم إغلاقها، فالقلوب تبكي وتدمع وتتألم وتدعي ليزول هذا الوباء قريبًا ويعود بيت الله كما كان، ونحن على مشارف شهر رمضان الذي لن يكون له معنى ولا طعم وبيوت الله مغلقة.

إن سلامة الإنسان فوق كل شيء، والاهتمام الأول لدى جميع الديانات ليس الدين الإسلامي فقط الذي يعتبر من أكثر الأديان رحمة وإنسانية ورفقًا بالانسان، الذي كرمه الله ووضعه في المقام الذي يناسبه كمخلوق مميز ومختلف وذو عقل عن المخلوقات الأخرى الموجودة بالأرض.

فعندما يتعلق الأمر بحياة الإنسان أو بصحته أو بضرر أو خطر ما يهدد حياته وسلامته واستقراره، فيجب العمل وفق لما تطلبه مصلحة الإنسان والدين أول مؤيد ومساعد في ذلك، وبناءً على الوضع الذي جعل منا سجناء في بيوتنا تم إغلاق بيوت الله لكي لا يتعرض المصلي والمصلين للضرر والخطر الذي بات فيروس كورونا يهدد به العالم أجمع، ولم يؤدي إلى غلق المساجد فقط، فالحياة شبه متوقفة كلياً، وحال الناس في تعطل، وكله من أجل الحفاظ على البشرية وتوقيف عدد الحالات المصابة وعدد الوفيات المرعب.

وإن أغلقت بيوت الله التي هي المساجد، فأبواب السماء لن تغلق في وجه المؤمن الصالح، فهي مفتوحة وإن أغلقت جميع أبواب الأرض.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى