ثقافة وفنون

بين ذاتية الكاتب وموضوعية التاريخ تبقى الحقيقة المطلقة غائبة

من الموضوعات الهامة التي تحتاج إلى تفسيرات وأطروحات جديدة من البحث والتدقيق لنستشف هل كل ما يقدمه الكاتب تغلب عليه أي من الذاتية والموضوعية ولنرى مدى ارتباطها بدراسة التاريخ، والذي يفترض أن يقدم في صورة موضوعية خالية من أي آراء شخصية سواء الإسراف في المديح لبعض الأشخاص أو الذم لآخريين، وهل الأحداث والوقائع الرسمية تم تحليلها بصورة موضوعية أم لا؟

دعونا نتفق أنه لا اتفاق على شخص ما أو حدث تاريخي ما، ليتم صياغته إما بالصياغة الذاتية والموضوعية فالنظرات تختلف من مؤرخ إلى غيره، وإذا كانت الأحداث بعيدة تبنى عليها الحبكات والرويات الخالية إلى حد ما، أما إذا كانت الأحداث قريبة وحديثة الوقوع فلابد أن تنقل الصورة العامة كما هي فلا تحتاج إلى إبداع زائد.

وكتاب التاريخ إن سردوا الصفحات لابد أن يلتزموا بالمنهجية والطرق العلمية في رسم الشخصيات والغوص في داخلها والمقدمات التي نشأوا عليها ومراحل تطويرها والتغييرات التي حدثت لها وكيف أثرت في واقعها المحلي وتتعاطيها مع الأحداث الخارجية والتعامل مع القوي العالمية، ومدى رزانة عقله وسرعة بديهته في اتخاذ القرارات المصيرية، وهل كانت آرائها تتسم بالموضوعية والشورى أم كان القرار الذاتي الفردي والأهوال الشخصية هي المعيار الأساسي في الوصول للأهداف الحقيقية.

ينخدع البعض أحيانًا في الصياغة الذاتية والموضوعية من خلال الطلة الهلامية للشخصية ويصدقون كل ما يقوله أو يفعله، لدرجة أنهم يجدوا له المبرر الأخلاقي لأشياء بعيدة كل البعد عن الصواب، وذلك تنطبق عليهم مقولة “أوراق الخريف تتساقط خيرًا علينا كالمطر”.

في بعض الأوقات، الذاتية للكاتب مطلوبة، وذلك حين يحكي قصة حياته أو يعبر عن مشاعره أو يصف رأيه في بعض الأحداث المختلف عليها من عامة الكتاب، أما عند التحدث عن التاريخ وحقباته المتتابعة بحلوها ومرها وإنجازاتها وإخفاقتها، فالموضوعية المفروض أن تكون هي السائدة.

وظلت المقارنة بين الذاتية والموضوعية القضية الخلافية لمعظم فلاسفة علم الاجتماع والباحثين سواء الغربيين أو العربيين عن الحقيقة المطلقة المتجردة من أي تحيزات.

وتجدر الإشارة أن ارتباط الكاتب أو المؤرخ بأفكار معينة سواء كانت رأسمالية ظالمة أو اشتراكية ماركسية أو يجنب ناحية اليسار المعتدل أو اليمين المتشدد لها التأثير الغالب في وضع تصورات وصياغة أفكاره بذاتية بائنة مطلقة أو تأثير محدود لا يغفل.

تريد الأنظمة الحاكمة محو الماضي بـ”أستيكة” سوداء، وطمس كل تقدم أحرزته الأمم السابقة، وتزداد العملية ضراوة بمحاربة الأموات وإظهارهم بالفاسقين الفاسدين حتى وإن اعترف القاصي والداني بورعهم وتقواهم وحكمتهم وقيادتهم الرشيدة وإنجازاتهم المسطرة بحروف من نور في الواقع ومازالت آثارهم وتراثهم باق حتى الآن. فقد أخرجونا من الظلمات إلى شعاع الحق والعدل والمساواة وحفظ الكرامة ومحاربة الأعداء والدفاع عن مقدرات أمتنا ومقدسات ديننا.

ومن هنا تكمن المعادلة الفاصلة في تنحية هذه الاعتبارات جانبًا في كتابة التاريخ بصورة موضوعية وأن ينقل الواقع كما هو ولا ينحاز لطرف دونما الآخر، ويضع نصب عينه أن هذه أمانة ليست فقط لبني جيله بل للأجيال القادمة كافة.

الديكتوريات والإمبراطوريات الإستبدادية ولت من زمن بعيد وكتب عنها الكثير لكي يتعظ كل من يفكر أو تسول له نفسه السير في نفس الطريق ضاربًا كل التجارب السابقة في مقتل، ولكن هيهات بعد كل هذه القرون تهل علينا في أشكال جديدة أشد جبروتًا وقبحًا، وبدلًا من توسيع أفق العالم ووسائل التكنولوجيا وانتشار الشبكة العنكبوتية، جعلت من العالم قرية صغيرة وأصبحت المعلومة متوفرة بشكل واسع والحصول عليها لا يتعدى الثوان المعدودة.

إلا أنه تبقى الحقيقة المطلقة غائبة ومختلطة وسط غابة من القراصنة الجدد وتحكم النظم السياسية والمعلومات المغلوطة والشباك الخادعة التي تصطاد المجتمعات الواحد تلو الآخر في سهولة ويسر.

الثورات هي مرآة الشعوب ونبضها وشمسها التي لا تغيب ولكن لابد أن تتيقن الأغلبية ما يساق لها وما يخطط لها من طمس معالمها والتشكيك في أهدافها ومحاولة محوها وتصويرها بأنها الهدامة والمخربة لشعوب العالم.

وبدلًا من أن يقوم الكتاب والمؤرخين بتفنيد الحقائق وتوضيح الحقائق، باعوا أنفسهم للشيطان ومشوا في ركبه وتنازلوا عن مبادئهم سواء بالمال أو الإغواء بالعلو أو غصبًا واقتدارًا، وذلك بتكسير أقلامهم وإلقائهم وراء القضبان، حتى وصلت الحكاية لمنعهم من رؤية القمر ما تبقى من عمرهم، وهؤلاء لا يدركون أن الحقيقة إن غطاها الركام سيأتي آخرون يومًا ما وينبشون هذا التراب، وتظهر كل أركان الحقيقة دامغة وقاصمة ظهور هؤلاء.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق