مدونات

بين الوميض والحب

“بين الوميض والحب” وميض حب.. عنوانٌ لديوان اختارته الشاعرة سعاد بختاوي ليكون دالًا على ما حوى بين طيات صفحاته. قلوبٌ ترتسم على واجهته، بلون أحمر خالطه بعض البياض، وخيوط تمسك بتلك البالونات القلبية بعُقدٍ لطيفة.
خيوطٌ تربط القارئ بحكي حروف الشاعرة، وتبني علاقةً شعورية بينهما لتتجانس القلوب حقيقة، وإن لم يكن هناك من لقاء يجمع بينهما في الواقع فالحروف هي التي تفعل.
“وميض” ذكريات، و “وميض” ذاكرة حفلت لسنوات بمشاعر، تكبدت صاحبتها عناء الكبت عنها، إلى أن خرجت لنور الوجود. تخط طريقها بين الكلمات لا هي نزارية ولا هي عنترية ولو صنفها النقاد تصنيفًا معينًا، فلا يكاد يعدو ذلك عن حيز الوجهات الدالة على مدلول مدرك ومحسوس يراه كلٌّ حسب وجهته التي هو موليها.
بيد أن التصنيف حقيقةً يكمن في هوية الوميض، من نبع الذاكرة والذكريات، وإن تأخر البوح به لأسباب، إلا أن صاحب البوح خرج به من ذكراه وذاكرته إلى فلك الوجود والنور. يتقمص الوميض شخصية القاص حينًا، وحينًا آخر شخصية الشاعر، وأحايين كثيرة شخصية البوح فيستقر حينها على حقيقة صاحبه.
بين الوميض والحب .. الوميض الذي بذلت من أجله الشاعرة سعاد حروفًا كثيرة هو قليل من كثير، لعلها لم ترد أن تبوح بكل ما فيها. فنفسها حيز مغلق على ذاتها. مما يجعل القارئ يبحث عن شخصية البوح بين السطور بلهفة ودقة ملاحظة.
دل الوميض على مدلول أول عبارة افتتحت الديوان بإهداء مستفزّ تقول فيه:” إلى ذاتي المتأرجحة بين طفلتي العنيدة وأنثاي المتمردة” ليدل هذا الأخير اللافت على شخصية البوح الذي أغلق البابَ فيه الشاعرةُ نفسُها.
فهي لم تشأ- بقصد أو بغير قصد- أن يغوص غيرها في أعماقها التي هي بنفسها لم تستطع ولوجها. فكيف بالحب إذن؟!
تضع هذه اللافتة الإهدائية القارئ المتفحص بين أمرين:
• الأول: أن شخصية البوح لا تريد من غيرها معرفتها، مما يدل على نوع من الإنطواء الذاتي.
• الثاني: أن شخصية الحكي بطراز شعريّ تبوح رغمًا عن ذاتها المتأرجحة.
شخصية البوح عند الشاعرة سعاد تتأرجح بين التردد والإحجام كثيرًا، فالإغلاق النصيّ في العنوان لا يترك مجالًا للشكّ في ذلك، والإغلاق الثاني في الإهداء يؤكد سلامة هذه الوجهة.
وجمالية هذا التأرجح والتقمص في الذات من جهة والشخصية المعبِّرة من جهة أخرى تكمن في إبراز الأوجه النفسية المتعددة والمتقلبة للشاعرة وتحكمها في اللغة، فتحًا وإغلاقًا، تصويرًا وتعبيرًا.
فالفتح ظاهر من حيث إطلاعها على بعضٍ منها وإن كان ضئيلًا، والغلق أظهرُ من حيثُ العنوانُ فالإهداءُ فبقيةُ النّصوص الشعرية أو المحكيّة عن الذات المغلقة، والتي هي بطلة نفسها وذاتها.
أما التصوير فيكمنُ في حقيقة الذات المتأرجحة والحروف المعبِّرة. “وميض حب”، كيف للحب أن يؤسس مكاناً داخل ذاتٍ مغلقة؟!
وهذا يوصل القارئ إلى بحبوحة الحبّ حيث لا وجود لذات دون ذات، هناك فقط تسقط الاعتبارات كلها. فالحب يلاطف القلوب ويداعبها، ويسكنها خفية، بهدوء وسكينة. حتى وإن أغلق العابرون سبل الحب عنهم، فهو يصل إليهم لا محالة، تمامًا كريح عابرة!!
بين الوميض والحب .. دخل الحب ساحة القلب، فكان دافعًا للبوح، بل حافزًا لإنتاج حروف تعبر عن ذات الشاعرة. وكأن الحروف تفر هاربة بخفية من ذات متأرجحة، متقلبة لتوصل رسالةً خارج الذات يتلقاها العابرون. فسلطةُ الذات على الأنا العنيدة أقوى من سلطة غير الذات على الأنا المتمردة، فيصير الأمر إلى تسلط على الكل يجعل الحروف تفرّ من كل الذات ليدفعها الحب للخارج.
غريبةٌ هي تلك الذات المتأرجحة، وأغرب منها تلك الحروف التي صنعتْ لنفسها طريقا تشقّ به عصا الذات، تعصي به تردد الأنا الكابت، وتطيع أمر الحب العابث.
من الوميض لذكراها وذاتها إلى الحبّ في قلبها وروحها. قفزةٌ نوعية، تلمس من خلالها غرابة هذا الكيان الأنثويّ. وكأني بها قد خرجت من طوق تلك الذات المتسلطة وعبّرتْ عنها، لتهدي إليها بعد حين وطول استمر لصفحات ما جاد به الحبّ وكابد لأجله الحرف.
بين الوميض والحب .. “إلى ذاتي المتأرجحة بين طفلتي العنيدة وأنثاي المتمردة”
جملةٌ واحدة، بل سطر واحد، يهدى من نفس الذات إلى ذات الذات. لعلها نرجسية كما يقال، ولكني أراها خروجًا عن مألوف، كسرًا للحواجز. وكأنها تريد أن تثبت لذاتها التي أتعبتها طولًا من الزمن أنها أقوى وأصلب، ومهما كانت الظروف فلن تخضع لأيّ منها، فالحب أقوى من كل شيء، ولا شيء إلا بالحبِّ.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

صلاح الدين بن محمد فؤاد رقيق

فقيه، كاتب وشاعر له دراسات فكرية وكتابات متنوعة ودواوين شعرية، ومجموعة من الإسهامات الأدبية في مختلف مجالاتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى