سياسة وتاريخ

بوتين: كله في سبيل الحكم

في تحول ملحوظ في العلاقة بين الكرملين والكنيسة الأرثوذكسية، أصدر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قراراً يرفض زواج المثليين في روسيا، واقترح على الدوما “مجلس النواب الروسي” تعديلاً دستورياً جديداً يعتبر الزواج اتحاداً بين الرجل والمرأة، كما يعترف الدستور الجديد ضمن تعديلاته بإيمان الروس بالله من خلال اعتناقهم الأرثوذكسية.

ليست هذه هي المرة الأولى التي يغازل فيها القيصر كما يحلو للروس تسميته السلطة الروحية الأولى في بلاده، فقبل خمس سنوات وقبل تدخله العسكري الدموي في سوريا، كان بوتين متردداً من عواقب هذا القرار على بلاده؛ خاصة مع تردي الاقتصاد الروسي نتيجة العقوبات الغربية، وخشية بوتين الشخصية من تكرار السيناريو الكارثي للتدخل السوفيتي في أفغانستان، لكن كيريل الخامس البطريرك الروسي اجتمع بالرئيس القلق وقال له:

“ستضع الكنيسة اسمك ضمن قديسيها إذا تدخلت في سوريا”

وهكذا لبى بوتين مطلب زعيم المائة والثلاثين مليون روسي، وحتى خلال تواجد القوات الروسية على الأراضي السورية في حميميم وطرطوس، بات الاحتفال بعيد الغطاس وإحضار براميل المياه ليتعمد الجنود كما فعل السيد المسيح -بحسب العقيدة المسيحية-، زبوتين نفسه صارت تلتقط له صور وهو يمارس التعميد؛ ما أكسبه شعبية على شعبيته.

لكن المتتبع لسيرة قيصر روسيا الجديد يتضح له أن بوتين أبعد ما يكون عن التدين؛ فالرجل لا يفوت فرصة ليعاقر فيها الفودكا التي تشتهر بها بلاده إلا وتناولها، كما كان -وربما لازال- يمتلك نوادي قمار في سان بطرسبرج، كما لا ينسى الروس أو العالم كيف دشن بوتين حكمه الدموي بإبادة جروزني العاصمة الشيشانية، معتقداً بأنه بذلك قد حافظ على وحدة الأراضي الروسية التي فشل فيها سلفه يلتسين.

كل ما يفعله بوتين لا يعدو محاولات لإضفاء شرعية على حكمه، والحصول على رضا الشعب لحكمه الاستبدادي الذي يذكر الروس بحكم جوزيف ستالين لكن بشكل منقح، فعندما حكم بوتين روسيا في الأول من يناير 2000، أصدر قراراً بإعادة النشيد السوفيتي بدلاً من ذلك الذي حل محله عقب انهيار الحكم الشيوعي في البلاد؛ ليتمكن من إعادة الشعب لحظيرة الطاعة دون ضجيج، معتقداً أنه بذلك يعيد لروسيا مكانتها المستحقة على الساحة الدولية.

أظهر بوتين نفسه أيضاً في صورة السياسي الغربي الذي يرتضي بحكم صناديق الانتخابات برغم صورية الانتخابات، وورود العديد من التقارير التي تؤكد تزييفها مسبقاً لصالحه، ولا يخرق الدستور من خلال تبادل الأدوار مع رجله المخلص ديمتري مدفيديف بعدما أنهي ولايته المنصوص عليهما دستورياً عام 2008 قبل أن يعود للحكم بشكل قانوني عام 2012.

كما برر بوتين اعتداءه على السيادة الأوكرانية عام 2014 وضم شبه جزيرة القرم الاستراتيجية لروسيا بزعم إحباط المحاولات الغربية لمحاصرة روسيا، وحتى عندما ذبح الشعب السوري الثائر على طاغيته عزف لحن محاربة الإرهاب، ليعيد للشعب ذكريات حرب الشيشان الثانية، ويتسنى له أن يسرح ويمرح فوق أرض سوريا المحروقة بزعم حماية مواطنيه من خطر داهم يتهددهم.

باختصار إن بوتين طاغية حرباء؛ يتمكن من التلون بكل لون للحفاظ على حكمه، ولو وصل به الأمر ليعين نفسه وصياً على البشرية طالما سيبقيه ذلك طاغية متسلط سيفعل دون تردد.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى