سياسة وتاريخ

بوادر تغيرات كبيرة في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية

أفرزت الحرب العالمية الثانية قوى صاعدة جديدة، ونظامًا عالميًا جديدًا تهيمن عليه سياسة الولايات المتحدة الأمريكية التي اعتبرت منذ ذلك الحين القوة الأعظم في التاريخ، وقد بلغت تلك القوة ذروتها من ذلك التاريخ، وبدأت بالتراجع منذ ذلك الحين أيضًا خاصةً بعد خسارتها للصين.

في عهد الرئيس رونالد ريغان اتبعت الولايات المتحدة نهجًا مختلفًا عن كل ما سبق، من ناحية السياسات الخارجية والسياسات الاقتصادية (ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر بطبيعة الحال). فانتهجت الولايات المتحدة الحروب بالوكالة والغزو بحجة الحرب على الإرهاب أو تجارة المخدرات، وشرعت بعمليات الاغتيال للشخصيات الوطنية والتحررية في كل من أمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية وإفريقيا والشرق الأوسط وأفغانستان وغيرها.
واستمرت تلك السياسة في عهد الرئيس جورج بوش الأب الذي أعطى الرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشوف وعدًا شفهيًا بعدم التصعيد مع الاتحاد السوفياتي في حال سمح هذا الأخير بانضمام ألمانيا إلى حلف الناتو. وقد خلف الرئيس بوش بوعده، ووصل حلف الناتو إلى أوكرانيا، أي الحدود المتاخمة لروسيا. وفي عهد الرئيس جورج بوش الابن شهدت سياسة الولايات المتحدة ارتكاب ما اعتبر من قبل كثير من الخبراء أشنغ جريمة في القرن الواحد والعشرين بغزو العراق بذريعة أسلحة الدمار الشامل التي ثبت بطلانها. وفي عهد الرئيس باراك أوباما بدأ فصل جديد في انتهاك القانون الدولي عن طريق أكبر حملة اغتيال بالطائرات من دون طيار.
في السياسة، كما في علم الفيزياء، كل فعل له رد فعل. فأوروبا التي ساهمت بخلق أزمة اللجوء عن طريق إسهامها بشكل أو بآخر بتدمير وزعزعة استقرار ليبيا وسوريا والعراق وتشاد ونيجيريا، تواجه أزمة اللجوء اليوم كواحدة من أخطر أزماتها. والتي تستغلها تركيا (التي تعتبر من وجهة نظر أغلب الخبراء أكبر داعم للإرهاب) كورقة ضغط على دول الاتحاد الاوروبي. ورغم ذلك فهي ليست أكبر المتضررين من موجات اللجوء، إذا ما قورنت بلبنان الذي أصبح ربع سكانه تقريبا من اللاجئين أو الأردن الذي يستقبل أكثر من مليون لاجئ سوري.
إن سياسة الولايات المتحدة اليوم بحاجة إلى تغيير جديد يتجاوز معايير التكلفة والمنفعة. عندما ترشح السيناتور الاشتراكي الديموقراطي بيرني ساندرز لسباق الرئاسة، سئل المفكر نوم تشومسكي عن مدى حظوظه في خوض هذا الغمار، لكن تشومسكي قلل من فرص نجاحه أو قدرته على إنجاز تغيير مهم على الصعيد السياسي والاقتصادي في ظل المنظومة الراهنة، لكن أي تغيير مؤثر يتوقف على ظهور موجة شعبية كبيرة يستطيع (ويجب على) ساندرز ركوبها. وهذا الحراك الذي نشهده اليوم في الولايات المتحدة (إضافة إلى مؤشرات أخرى، منها شعار “أمريكا أولا” الذي أعلنه الرئيس ترامب، والنزاع مع الصين، والعزلة التي تواجهها أمريكا) يعبر عن عمق الأزمة، وعن حاجة باتت ملحة لتغيير جذري، باتت تعيه فئات شعبية عريضة تنظم نفسها تحت شعارات مختلفة (مثل حركة حياة السود مهمة)، والتي ربما قد تؤسس لسياسة “إصلاحية” جديدة أكثر انكفاءا نحو الداخل.
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق