سياسة وتاريخ

من الوطنية الاشتراكية إلى “الإسلام الوطني”

مع إشراق شمس القرن العشرين وفي خضم تنامي المد الوطني وعيًا وكفاحًا، كانت التيارات السياسية الجزائرية قد طفقت تخط لها أولى معالم التموضع في خارطة السياسة والعمل النضالي، وفق قواعد التي فرضها نموذج الدولة الوطنية بوصفه حالة من الوعي النموذجي المستجد على العقل الأهلي، وهو بذلك نتاج تماس مع الظاهرة الاستعمارية.

وقَفَ في ذلك السياق، التيار الإسلامي وقفةَ الغريب في داره الذي استفاق على أشياء ورموز طارئة وذاكرة متوقفة موقوتة على الماضي، لا يملك سوى قليل من الأجوبة لكثير من أسئلة العصر فرضها النموذج الكولونيالي على شتى مناحي الكينونة التي قلب رتابتها في هوية الذات ومفهوم الوجود الجمعي المستجد على التراب.

كانت أجوبة الإسلاميين من خلال تنظيمهم الأول، جمعية العلماء المسلمين، متصلةً أساسًا بالفرد، تروم إخراجه من دهاليز الخرافة والعيش على أساطير الأولياء والأدعياء بالخلاص الفردي، المؤدي دومًا وفق أبجديات التدرج الإصلاحي في فلسفة الإسلاميين الحركيين، إلى الخلاص الجمعي الوطني.

وإن كان الهدف من إنشاء الجمعية صحيح المقصد إلا أنه كان أقل زخمًا في بعده عن النضال السياسي الوطني المباشر، ولهذا كان الكثير ممن تعلموا في مدارس الجمعية وكتاتيبها القرآنية يغادرونها سياسيًا باتجاه التيارات السياسية الجزائرية من الحركات والأحزاب الأكثر حضورًا في القضية الوطنية والأكثر راديكالية في المطلب الاستقلالي؛ منهم عباسي مدني الذي كان عضوًا في حزب الشعب وحركة انتصار الحريات الديمقراطية.

ولعل هذا هو مكمن الجدل المتواصل إلى اليوم بخصوص طبيعة حضور ومساهمة جمعية العلماء المسلمين في العمل السياسي الوطني من أجل الاستقلال.

والجدير بالإشارة، أن هذه الجدلية المتعلقة بأولوية مَن في العمل الدعوي ودعوى الإصلاح الذي ترفعه الحركات الإسلامية؛ هل للعمل السياسي أم الاجتماعي، ما يدل على أن العقل الإسلامي لايزال رهين أسئلته الذاتية داخل فضاءات التغيير والتعدد والتنوع الذي تطرحه مجتمعات الحداثة الثقافية منها والسياسية، في حين لايزال هو متشبث باستراتيجية التغيير الإسلامي الأولى باعتبارها وحيًا وليس عملًا تاريخيًا مدعومًا بالوحي.

وأعادت الإخوانية الجزائرية الممثلة بـ”حمس”، وهي اختصار لمجتمع السلم الإخوانية، جدل الأولية تلك فجر التحول إلى التعددية سنة 1988، يوم رفضت العمل السياسي بدعوى أنه لم يحن ميعاده وأن الشعب لايزال في حاجة إلى “التربية” والتوعية والإرشاد قبل الإصلاح، وأسست لذلك الغرض جمعيتها الاجتماعية الثقافية الإرشادية، كنقيض للتيار السياسي الذي قادته الجامعة السلفية قبل أن تلتحق بها الجزأرة؛ التيار الذي أسس الجبهة الإسلامية للإنقاذ، التي سخرت كل قواعد الإرشاد والإصلاح والنهضة وغيرها من الحركات والجمعيات الإسلامية غير السياسية بسبب تعطش شباب الصحوة للعمل السياسي، ما جعل تلك الجمعيات وعلى رأسها حمس ثم النهضة تتحولان إلى حزبين سياسيين للحفاظ على الكينونة داخل المسرح الدعوي والإسلامي.

كان يحمل المناضل الجزائري الراحل بن يوسف بن خدة، الذي يعد من الصف الناضج للحركة الوطنية الذي فجّر ثورة التحرير، ذات الموقف الذي حمله اليسار بشقيه الإيديولوجي السياسي والنضالي الوطني من إشكالية الشاكلة الإسهامية للحركة الإسلامية في الثورة التحريرية -أي أنها كانت حركة متصلة بالإصلاح الذهني والديني للفرد بصرف النظر عن جدل الهوية في بعده السياسي المتعلق بالكفاح من أجل الاستقلال، وهو المنحى الذي اتبعته باقي التيارات السياسية الجزائرية ولم ينف أو يتراجع عن ذلك حتى بعدما غادر الباحة اليسارية والتحق بالإسلام.

تكشف الرؤية النقدية المستمرة من بن خدة لعمل جمعية علماء المسلمين في الحظيرة الوطنية الأولى حتى بعد تطليه للقناعة الفكرية والسياسة الأولى (اليسار)، عن جذور الإشكال المتعلق بعلاقة الوطني بالإسلامي كتيارين كبيرين تمحورت حولهما الحقائق الوطنية الكبرى لكنهما أخفقا في الاشتغال على تلكم الحقائق لأسباب ذاتية متصلة بآليات اشتغالهما والتي كانت سببًا في صدامهما المتواصل، وموضوعية متعلقة بالمحيط الذي اشتغالا فيه.

بن يوسف بن خدة الذي غادر اليسار دون التيار الوطني والتحق بالاسم دون الانخراط في حزب من التيار الإسلامي إنما شكل بذلك قمة الذكاء في التفاعل مع التيارات السياسية الجزائرية لا بعقلية القطائع العشوائية الارتجالية التي تكون في عادة نتائجها سيئة على الفرد وعلى الفكرة معًا.

يمكن رؤية تأسيس بن خدة لحزب “الأمة” مع شلة من مثقفي الحركة الوطنية ممن ناضلوا وتحلوا معه في القناعة والرؤية كالراحل عبد الرحمن كيوان، من زاوية تفصيلية تحليلية باعتباره عملية خلق برزخ فيما بين التيارين يلتقيان فيه ولكن لا يندمجان بفعل تأثير لحظتي انبثاقهما الفكري والسياسي في التاريخ اللتين جعلتا كل واحد منهما يحمل خصوصية فيما يمتد إلى الآخر وفيها ما يمتد.

فالرجل العارف غاية المعرفة بطبيعة نشأة الدولة الوطنية باعتباره ممن عملوا على تأكيد تأسيسها بل وكان من ذوي الرأي والتحكم فيها بحسبانه ثاني رئيس للحكومة المؤقتة وحامل شرعية دولة الاستقلال الموءودة إلى غاية هذه اللحظة، كان يعي حجم التحدي الذي ينتظر الإسلام السياسي في مواجهة سلطة غير شرعية على صعيد القانون والسياسة بل والتاريخ أيضًا.

لم يكن يعلم الكثير من الإسلاميين، بأن التيار الوطني الأصيل كان قد جرى تدميره قبل أن يستوي فكره الاستقلالي على عوده، بعد سطوة العسكر على العقل الوطني واستباحته للسياسة وتحويلها إلى حقل للمناورة السياسية بغرض السيطرة والاستدامة في الحكم لا غير، وهو ما فعله الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين عبر ضرب انتلجانسيا الثورة (النخبة المثقفة)، تزوير التاريخ فكرًا وأحداثًا ودمج القادمين من ثكنات الاستعمار في المؤسسة العسكرية الحاكم فعليًا بأمرها، ومن ثم تم سحق الوطنية مبنى ومعنى من هذا التيار الذي صار شكلًا بلا روح ليس له من تراث استقلالي غير صور الزعيم الذي يخطب بالعربية في الأمم المتحدة.

وكان بن يوسف بن خدة حاملًا لهذا الهم الذي لا الخلف الوطني كان يدرك أغواره، عدا كبار عقوله من مثل الرحال عبد الحميد مهري، ولا الإسلاميين الذي يعانون من نقص حاد في “فيتامين الوطنية” وهو ما يجعل عظامهم هشة في معترك التغيير رغم اكتساحهم للقواعد الشعبية، كان يدرك بأن في ذلك البرزخ الفاصل بين الإسلامي والوطني يكمن التيار الذي تشكل من أعداء شرعية سلطة الاستقلال المتحالفة مع أعادي الاستقلال ممن فروا من الجيش الفرنسي، تيار سيتمكن مع توالي السنوات والعقود من الاستفراد بالدولة والوطن ثم الاستفراد بالشعب في حرب أهلية خارج مجال التغطية الدولية فيسحق التيارين الوطني والإسلامي باستعمال نخب ممن يسميهم الدكتور المناضل الحقوقي الكبير صلاح الدين سيدهم بالديمقراطيين غير الممارسين des démocrates non pratiquants، ممن سيكونون فيما بعد وقود دولة الفساد التي ستتأسس بعد انقلاب 1992 وتنهار مع انهيار “جملوكية” بوتفليقة (أي الجمع بين الأنظمة الملكية والجمهورية).

وتنعدم لدى الإسلاميين الجزائريين لعهد الصحوة، ثقافة السياسة بتراثها التأسيسي الوطني لأنهم تشكلوا من خيال آخر يعتمد على المرجعية السردية للتراث ما قبل الوطني أي من الأممية الإسلامية التي صار إلى متحف التاريخ كبنية موضوعية فيه، وليسوا في ذلك الشكل يتصلون حتى بمن عايش ميلاد وسيرورة الحركة الوطنية سواء كمؤسسات مثل جمعية العلماء المسلمين أو كشخصيات فكرية كمالك بن نبي.

وتتصل جل تنظيمات الإسلامية الصحوتية -إن جاز الوصف- في المرجعية والمشروع بالنموذج الدعوي المشرقي السلفية منها والاخوانية، لهذا يفتقدون للإجابات عن أسئلة الحاضر الوطني التاريخية الكبرى؛ الهوية، اللغة، الحرية الاعتقادية وحقوق المرأة والإنسان عمومًا، فغالبًا ما تظهر محاولتهم للرد عمن يتشكك منهم في هذه المجالات ضبابية نظرًا للتسطح الناتج عن عدم تشكل لديهم صورة واضحة للمسألة القطرية تؤكد استيعابهم للمستجد القُطري بوصفه ناتج من نتاجات العصر.

وليس بن خدة ممن يمكن أن يسقط في مثل هذا الإشكال العضوي الكبير الذي يعاني منه الفكر السياسي الإسلامي الحالي، لهذا لم يكن مناسبًا له أن ينخرط في أي حزب إسلامي بل أسس حزبه وطالب في ختام مشاركته في الحصة التلفزيونية الشهيرة من مفكري وعلماء الإسلام، استحضار مشاريع ورؤى للإسلام في مواجهة العصر، كأنما أراد أن يقول بها أن هناك فراغ قاتل في هذا المجال.

واضح في الخلاصة، أن في تجربة بن يوسف بن خدة يكمن سر سقوط الوطنية الاستقلالية مع سقوط الشرعية واندحار التيارات السياسية الجزائرية بفعل تغول العسكري.

ويكمن سر سقوط الحركة الإسلامية بتياريها، المفعول فيه؛ الجناح المغالب الذي قادته الجبهة الإسلامية للانقاذ، والجناح المفعول به؛ تيار المشاركة الذي قادته حركة حمس، وهذا بفعل سوء فهمهما للخاصية القطرية التي تشكلت على قواعدها عشية الاستقلال سلطة القوة على حساب قوة السلطة. وأي مراجعة، في رأيينا، لمسار التيارين لا تأخذ بالحسبان بتجربة الرئيس بن خدة سوف لن تفضي إلى شيء قيم ومقيم لأنها ستجانب السر الذي يستقر بالكهف الوطني المعتم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق