سياسة وتاريخ

بغداد «المحتلة».. كيف تتخلص العراق من الولاءات وقوى الاستقطاب؟

من ظن أو يظن أن العراق حر ويمتلك إرادة فهو مخطئ، الاستقطاب في العراق لا يُمكّن الدولة لكي تكون مستقلة إلا من خلال مساندة الدول العظمى والمسيطرة على العالم بسياستها واقتصادها وجيشها، ولا توجد دولة لا توالي إحدى هذه الدول العظمى وتنفذ لها مخططاتها.

وهناك فارق مع العراق من حيث تعدد الولاءات وانقسام الشارع العراقي إلى ثلاثة أقسام؛ القسم الأول يرى أن موالاة الجمهورية الإسلامية الإيرانية والتمسك بالعمق العقائدي مهم بالنسبة له، وهو ما يبقي على وجوده ومكانته، ولهذا هو يعمل على إنجاح إرادتها في العراق بكل ما أوتي من قوة.

أما القسم الثاني، فهو يوالي المملكة العربية السعودية ومن معها؛ لأنها تمثل العمق العقائدي لهم وهي جدار الحماية من إيران وأتباعها في العراق، وهم ينفذون أيضاً إرادتها في العراق. والقسم الأخير هم من يريد للعراق الحرية من تدخلات إيران والسعودية وجميع الدول الأخرى.

الحلم بالتحرر غير ممكن جراء الاستقطاب في العراق المتجذر؛ فالجمهورية الإسلامية الإيرانية هي ذراع الشيوعية في المنطقة ومصالحها تتقاطع مع مصالح الرأسماليين. وعلى النقيض منها فإن المملكة العربية السعودية هي ذراع الرأسماليين في المنطقة ومصالحها تتقاطع مع مصالح الشيوعيين.

ولهذا نجد أن صراع البقاء والسيطرة بين الجبهتين الشيوعية والرأسمالية مستعر في العراق، لأنه يقع في منطقة التقاء الخصماء. أضف إلى ذلك التمرد الذي تقوده تركيا وحلمها للعودة إلى عهد التسلط والإمبراطورية، وتقلبها بين حبال الشيوعيين والرأسماليين، وهي العنصر المشاغب في المنطقة وغير واضح في الانتماء.

ومن أجل أن تحقق الدول المتصارعة أرضية خصبة لها وسط قوى الاستقطاب في العراق فهي تحتاج إلى ضرب الاقتصاد والترابط المجتمعي، ومن ثم تكوين أذرع متفرعة منها تحمل السلاح تحت عناوين متعددة داخل العراق ومن العراقيين بشكل أساسي، مهمتها تحقيق النتيجة المطلوبة في تحقيق مصالح أسيادها.

وتحقق السيناريو الأخير بالفعل خلال الأعوام المنصرمة، حيث تشكلت الجيوب المسلحة تحت عناوين المقاومة ومن ثم الدفاع عن النفس، وهي ما أوصلت العراق إلى الاقتتال الداخلي الطائفي، وانتهى إلى دخول داعش وسقوط العراق في دوامة جديدة رافقتها ممارسات من كلتا الجبهتين في إضعاف الاقتصاد العراقي.

هذه الممارسات التي اعتمدت غسيل العقول، والاستفادة من المشكلة المذهبية بشكل أساسي، وخلق الجو المناسب للتباغض، ودفع الأفراد للالتحاق إلى جيوشهم بإرادتهم، وشراء الذمم بالأموال والسلطة؛ أوصل العراق إلى مرحلة تطورت بها الجيوش والميليشيات لتصبح البنية الأساسية للدولة والتي تتحكم بإرادة الشعب ومقدراته، أو ما يسمونه اليوم بالدولة العميقة.

تواجه هذه العصابات المنظمة أي عنصر يحاول العمل بمهنية لأن أعماله تعرضهم للتوبيخ من قبل الدول التي تدعمهم، بسبب أنها تأتي خارج إرادتهم، بالطبع كلاهما وجهين لنفس العملة سواء من يوالي الجبهة الشيوعية أو الجبهة الرأسمالية، لأنهما سيذهبان مع الريح من دون دعمهم ولهذا فإن مصالحهم الشخصية تتطلب منهم رمي حب الوطن عرض الحائط.

لا توجد قوة تستطيع تغيير قناعة الأشخاص وخاصة العراقيين، وهذا ما يجعلهم لقمة سائغة لقوى الاستقطاب في العراق هم يقدمون عواطفهم أمام مصالحهم، فمن يريد أن نقطع علاقتنا بالسعودية ينسى أنها حليفة لدول أخرى تحدنا من الجهة الغربية والجنوبية وتؤثر بشكل واضح على مكانتنا الاقتصادية لاسيما وأن السعودية تلعب دوراً كبيراً في أسعار النفط الخام والذي يعتمد العراق باقتصاده عليه.

وعلى الجانب الآخر، من يريد أن يقطع علاقتنا بإيران فإنه يقطع حدود العراق الشرقية بالكامل من شماله إلى جنوبه، بل وحتى جزء من شط العرب والخليج لاسيما أنه تحت سيطرة إيران، وهي اللاعب الأساسي في المنطقة والذي تعتمده الصين وروسيا كحليف مفيد يعكر مزاج أمريكا في المنطقة.

ليس من العقل معاداة دول الجوار والدول العظمى، ولكن يجب أن تتغير طريقة التفكير، لم تجلب لنا الولاءات سوى الدمار والتخريب، من حكم البعث الدكتاتوري إلى حكم الأحزاب العميلة، كلهم كانوا يوالون على حساب العراق، من حرب الخليج الأولى والثانية وحتى حرب داعش، كلها كان سببها ولاءات حمقاء غير مدروسة وَطّنت المذهبية التي مزقت العراقيين، ولن ينتهي هذا الصراع إلا إن تغيرت فكرة الولاء إلى فكرة تقديم مصلحة البلد فوق مصالح البلدان الأخرى.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

نجم الجزائري

نجم عبد الودود الجزائري، ولدت في العراق في محافظة البصرة عام 1980، من ابوين عراقيين، حصلت على شهادة الدبلوم في تقنيات الهندسة المدنية عام 2000، وفي عام 2007 حصلت على شهادة البكالوريوس في ادارة الاعمال من جامعة البصرة، وظفت في جامعة البصرة وما زلت اعمل فيها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق