علوم وصحة

بعض المشكلات النظرية في علم البيولوجيا “الاكتشافات البيولوجية والنماذج الرياضية”

في سبعينيات القرن الماضي، حدثت ثورة في علم البيولوجيا، إذ تسارعت وتيرة الاكتشافات البيولوجية والفرضيات المصاحبة لها. لكن منذ ذلك الحين لم يحصل تقدم يذكر في نظرياتنا. وتعتبر مسألة الانتقاء الجنسي مثالًا جيدًا في هذا السياق. وقد عرّف داروين هذا المصطلح كعامل مهم في نظريته عبر الانتقاء الطبيعي، حيث قال أن الذكر يطور سمات ظاهرية معينة لجذب الأنثى في فترة التزاوج، وهذه الخصائص تعكس تفوق الذكر على بقية الذكور المتشابهين سلوكيًا.

ويعتبر ذيل الطاووس أحد أبرز الأمثلة على تطوير خصائص فيزيائية من خلال الانتخاب الجنسي. فالإناث تختار الذكور التي تحمل خصائص جمالية تعكس تمتعها بالقوة أو الصحة لضمان جودة النسل. بالتالي يعمل الانتقاء الطبيعي على تطوير الجمال لدى الذكور و”حب الجمال” لدى الإناث بالتزامن، ويرث الصغار جينات الجمال من الآباء وجينات حب الجمال من الأمهات، وسينتج عنها شيء مثل ذيل الطاووس.

وجدير بالذكر أن ألفرد راسل والاس عارض هذه الفكرة فقد كان يعتقد أن الخصائص “الجمالية” لها وظيفة نفعية تتعلق بالبقاء ويجب أن تكون مفيدة. وفي الثلاثينيات تحيز العلماء إلى جانب داروين ووضعوا نماذج رياضية لتأييد مبدأ الانتقاء الجنسي الذي تم شرحه آنفا وهي فرضية طورها رونالد فيشر. وبالعودة إلى مثال ذيل الطاووس، فإنه في زمن ما يكفي أن يقوم عدد بسيط من الإناث بتفضيل الذكور ذوي الذيل الأجمل والأبرز، وخلال عدة أجيال ستصبح هذه السمة شائعة. طوّر ويليام هارفي فرضية متطرفة تقول أن الخصائص “الجمالية” التي يطورها الذكور هي وسائل دعاية وجذب لكونهم الأنسب والأجدر بالتزاوج، وبالتالي يقوم الطاووس الذي يمتلك ذيلا جذابا بقتل الذكور ذوو الذيل الأكثر تواضعا. فيما كان لدى دبليو دي هاميلتون فرضية أقل تطرفا تفيد بأن الذيل الجميل هو دعاية أمام الأنثى تعكس تمتع الذكر بصحة أفضل.

بعض المشكلات النظرية في علم البيولوجيا (النماذج الرياضية)

لكن تنشأ هنا فكرة أنه ينبغي أن ترتبط جينات المتحكمة بخصائص الذيل بخصائص جينية أخرى تلعب دورًا في صحة وجودة جينات الذكر وهي أحد أبرز الاكتشافات البيولوجية ومن خلال هذا الافتراض، فإن الإناث تضع على الذكور عبء انتشار جينات جيدة. وبعد أجيال من اختيار الإناث لذكور تحمل جينات جيدة فإن منسوب الجينات السيئة سوف ينخفض، بالتالي يفقد الانتقاء قيمته فتعاود الجينات السيئة الانتشار لترتفع قيمة الانتقاء من جديد، وهكذا فإن ما يجب أن نراه هو تذبذب في الرسم البياني، لكننا لا نراه بالفعل. ما نراه هو فقط استمرار اختيار الإناث للذكور ذوي الذيل الأفضل.

والنماذج الرياضية تقدم شروحات متساوية القيمة، ولم تساعدنا على تجاوز السؤال: لماذا يحصل هذا؟ لقد بات هنالك شكوك تحوم حول جدوى النمذجة الرياضية في ميدان العمل النظري، إذ يقول عالم البيولوجيا والمنظر التطوري بريت فينستين أن النماذج الرياضية لا تكون متطابقة دائما مع الواقع الذي نحاول تفسيره مما يجعلها خادعة في بعض الأحيان، والمشكلة الأخرى أنه يمكنك مطابقة أي سلوك طبيعي حتى إن لم يكن النموذج هو السبب المؤدي لكون السلوك الطبيعي على ما هو عليه.

اقرأ أيضًا :

هل تمنح التكنولوجيا للبشرية خلودًا أبديًا؟

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق