سياسة وتاريخ

بعد 10 سنوات.. هل أنتج الربيع العربي ديمقراطية حقيقية؟

مخطئ من يعتقد أن الديمقراطية الحقة تأتي كمنحة من الحكام والساسة؛ لأن الديمقراطية السليمة الخالية من الشوائب إنما تتعارض في غالب الأوقات مع الطبيعة البشرية التي تميل إلى فرض الرأي وبسط السلطان على الجميع سواء أكانوا مؤيدين أو معارضين؛ وبالتالي من غير المستساغ عقلًا أن تعتقد الشعوب أن الديمقراطية منحة من الحاكم؛ وإنما هي نتاج سلوك نابع عن وعي وفهم أمين للحياة والتاريخ.

لذلك؛ أنظر إلى الديمقراطية السليمة على أنها نتاج الوعي الشعبي المتنامي؛ وهي لا تتحقق دفعةً واحدةً وإنما على مراحل تاريخية مرتبطة في الغالب بوعي وفهم وإدراك الشعب لدوره وحقيقة الأدوار الأخرى؛ حيث يدرك الشعب أنه المحور الرئيسي والفاعل في تكوين باقي الأدوار الحاكمة باختلاف صورها وتخصصاتها ومهامها وفق أصول وقواعد الديمقراطية الحديثة.

فالديمقراطية؛ والتي تعني أن يحكم من يختاره الشعب وأن تستمر عملية المراقبة والتقييم المستمر للأداء الحكومي طوال مدة بقاء هذه السلطة في مقاعد الحكم والقرار؛ وهي أشبه بمراحل الحمل للجنين؛ والذي يجب أن يأخذ وقتًا كافيًا وقدرات معقولة من التغذية العقلية والنفسية والبدنية والروحية لكي يصبح خلقًا آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين؛ فإذا ما أخذت الديمقراطية وقتها الكافي للنمو والاكتمال فإنها وعن حق تصبح قوية شامخة راسخة لا يمكن زعزعتها من مستقرها لأنها نتاج وعي حقيقي اكتمل رويداً رويداً إلى أن بلغ أشده.

لذلك؛ التطورات التي حدثت خلال الفترة المسماة بالربيع العربي – بغض النظر عن التفاصيل المحيطة بها والتي اختلف فيها العديدون – فإنها كانت بداية غرس بذور الديمقراطية؛ وليس معني الديمقراطية السليمة تغيير الواقع بالقوة أو بالتهديد؛ فإن ما بني على باطل فهو باطل، وإنما الغرض أن تعبر الشعوب عن اختياراتها وقراراتها من خلال آليات موضوعية مطبقة لدى الدول الأكثر ديمقراطية؛ ومن ثم يسري رأي الأغلبية أيًا كان الفارق؛ ولا يمكن تحقيق الاختيار السليم من قبل شعب جاهل أو مستهلك أو لديه رغبات ودوافع نفسية تنبئ عن شخصية غير سوية لا يمكن الثقة في توجهاتها ودوافعها واختياراتها.

اقرأ أيضًا: من مجلس النواب لمجلس الشيوخ يا قلب لا تحزن

وبعد الاختيار – السليم – الذي يتمحور حول القوة والأمانة للطبقة الحاكمة بصورة موضوعية ومن خلال دراسة متأنية لما يمكن أن يقدمه المرشحين مع أخذ تعهداتهم في الاعتبار؛ يجب إمهال السلطة الحاكمة الوقت الكافي والملائم لإحداث نتائج يمكن القياس عليها لإعمال تقييم سليم خال من الهوى والعبث، حيث أن التقييم البعيد عن الموضوعية لا يمكن أن يحقق استقرار البلاد والسلم والأمن الاجتماعي ولن يحقق كذلك أي تقدم ملحوظ بل سيدفع إلى الخلف؛ وستحدث الخلافات على أتفه الأسباب وسنواجه الرفض المطلق والتأييد المطلق؛ وهذا أمر لا يمكن أن يوصل إلى مجتمع عادل متوازن متقدم ومتطور.

والمجتمع المتطور يقوم على سلطات ثلاث؛ السلطة التشريعية والقضائية والتنفيذية؛ وكل هذه السلطات تستمد شرعيتها من الشعب الذي هو مصدر كل السلطات؛ وبالتالي لا يمكن أن تكون هذه السلطات عادلة ومتزنة وقويمة إلا إذا كان الشعب ذاته يتحلى بهذه الصفات؛ وبالتالي الديمقراطية السليمة لا تكون منحة من السلطات وإنما منبعها شعب واع ومتزن.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

medhatnagiub

باحث قانوني .. ماجستير إدارة أعمال .. دبلومة موارد وتنمية بشرية وأخصائي نفسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق