سياسة وتاريخ

بعد التطبيع.. ما الذي سوف يتغير؟!

بعد التطبيع.. ما الذي سوف يتغير؟! لقد كان من المثير للانتباه في الأسابيع الماضية أن بعض وسائل الإعلام العربية التي كانت ولازالت تتهم إيران و”حزب الله” ونظام الحكم في سوريا بالتوافق الضمني مع إسرائيل، هي ذاتها التي تروج إلى أن اتفاق السلام “التاريخي” (كما وصفه ترامب) بين بعض الدول العربية وإسرائيل، سوف يقزّم الدور الإيراني وينهي المشروع التركي-القطري من جهة، ويضمن الحقوق الفلسطينية ويرسي أسس السلام في المنطقة (كما قال الرئيس المصري السيسي) من جهة أخرى. وقد تبنى الجمهور الموالي للتحالف العربي، والذي بات تحالفًا عربيًا-اسرائيليًا بعد هذا الإعلان، تبنى هذا التوجه الذي قدم إليه، بعد أن حاول في البداية تبرير ذلك بالقول أن مصر والأردن والسلطة الفلسطينية قد طبّعت العلاقات مع إسرائيل منذ عقود.
ولو أردنا قراءة هذا الإعلان ودلالاته وتأثيراته، يجب الابتعاد عن التحيزات العاطفية المسبقة. في البداية، إن العلاقات الإسرائيلية الخليجية، وخاصة مع المملكة العربية، السعودية، قائمة منذ زمن طويل. وهي تعود إلى فترة الصراع بين الأنظمة القومية العربية العلمانية من جهة، والأنظمة التي كانت توصف “بالرجعية” العربية والإسلام السياسي المتطرف من جهة أخرى؛ وقد لقيت دول الخليج وجماعات الإسلام السياسي الدعم من قبل إسرائيل والولايات المتحدة.
وتعززت هذه العلاقة بعد قيام الثورة الإيرانية وسقوط نظام الشاه وخروج إيران من الفلك الأمريكي. إذن ما حدث ليس جديدًا أو مفاجئًا. ورغم أنه من الصعب رؤية برنامج جيو-استراتيجي أمريكي متماسك وواضح في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة في عهد إدارة ترامب، إلا أن هنالك على ما يبدو محاولة لإنشاء تحالف بين دول الخليج وإسرائيل ومصر يكون قاعدة تستطيع الولايات المتحدة من خلالها تبني سياسة جديدة في الشرق الأوسط. أما إعلان التطبيع الذي أخذ شكلًا إعلاميًا استعراضيًا، فقد جاء كإنجاز أول وربما أخير لترامب على صعيد السياسة الخارجية الأمريكية، وإنجاز لنتنياهو الذي يعاني أزمات داخلية، والذي أنكر أمام أنصاره من اليهود المتطرفين تعليقه قرار ضم أراضي الضفة الغربية على خلفية توقيع اتفاق التطبيع مع الإمارات.
أما بالنسبة للتنازل الإسرائيلي عن قرار الضم، والذي عده العرب انتصارًا وإنجازًا، فإنه محض فقاعات إعلامية، إذ يرى مراقبون أن القادة الإسرائيليين يعلمون أن الإقدام على تنفيذ هكذا خطوة يعتبر ضربًا من الخيال، على الأقل في الوقت الراهن. وبالنسبة لمواجهة المشروع التركي-القطري، فإن هذا يتوقف على اللاعب الأمريكي بشكل أساسي. لقد كانت تركيا، وربما لا زالت، تشكل الحليف الأكبر للولايات المتحدة في المنطقة.
في العديد من الأحيان كانت تركيا تتلقى معونات أمريكية تفوق ما تتلقاه إسرائيل. ففي عام 1997 بلغت المعونة العسكرية الأمريكية إلى تركيا أكثر مما بلغته طوال الفترة من 1950 حتى 1983، رغم أنها فترة احتدمت فيها الحرب الباردة. وقد وظفت تركيا هذا الدعم لقمع حركات التمرد الكردية بكل وحشية.
وبعد عقدين من الزمان أظهرت الولايات المتحدة انحيازًا واضحًا لتركيا ضد الحركات الكردية الحليفة لها في سوريا من خلال تركها وحيدة في مواجهة العمليات العسكرية الوحشية للجيش التركي في منطقة شمال شرق سوريا.
ويرى كثير من الخبراء أنه لولا سياسة إدارة باراك أوباما لما تسنى لتركيا (وكذلك إيران) تشكيل هذه القوة المتصاعدة والخطيرة في المنطقة. لذا هنالك شك في أن يتم تحجيم الدور التركي في الوقت الراهن، رغم أن هذا وارد جدًا وخاصة بعد تزايد الاستفزازات التركية شرق المتوسط. وبدلًا من ذلك ربما نتيجه لدور إسرائيلي أكبر بعد انحسار هذا الدور أمام النفوذ الإيراني والتركي المتصاعد.
أما بالنسبة للقضية الفلسطينية، فلا أعتقد أن شيئًا جوهريًا سوف يتغير بعد هذا إعلان التطبيع. فقد كان الخيار دائمًا بيد الفلسطينيين في مواجهة مستجدات قضيتهم، وسوف يظل العبء الأكبر ملقى عليهم بالمقام الأول. ربما سنشهد في الأيام القادمة انضمام مزيد من الدول لتحالف آخذ بالتنامي، وقد يتجاوز حدود منطقة شرق المتوسط.
فإلى أين تتجه المنطقة؟
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق