مدونات

بِِِرُّ الأبناء أولًا

جريمة أبويّة!

كم مِن مرّة سمعنا صريخَ الجيران في عِراك مع ابنتهم ذات الثانية عشرة سنة يخترق جدران المنزل؟ أوَ لم تُدهشنا تلك الصفعة المدوّية على وجه أحد الأطفال من أمٍّ تستشيط غضبًا، وسيلٌ من السباب على لسانها لا يتوقّف؟ هل فكّر هؤلاء الآباء بحقيقة معاناتهم مع أولادهم؟ هل حقّا هم أبناء عاقّون ونحن الآباء لا ذنبَ لنا ؟!

يعزو الآباء أغلب المشاكل السلوكية لدى الأطفال والمراهقين إلى أسباب أهمها: العقوق، قلّة الأدب، عدم الطاعة، العناد وغيرها من الأسباب التي نُثقل بها كاهلَ أبنائنا من غير وجه حقّ!

فكثيرا ما نرفع عن أنفسنا اللّوم والمسؤولية تجاه أخطائهم مُعلّلين ذلك بأنّهم هم المذنبون، حيث ننسِب عنادَ طفل الثانية من العمر إلى الوراثة حينا، ونتّهم ابن الثالثة عشرة بالبذاءة والفوضوية حينا، ونحكم على بنت الثامنة عشرة بالوقاحة والعقوق حينا آخر. وفي هذا وذاك نرتكب أكبر جريمة أبوية في حقّ أبنائنا وفي حقّ أنفسنا على حدّ سواء!

وقد لفتتني شخصيّة تربويّة  تبنّت هذا الفِكر بوضوح في أبحاثها وحلقاتها البحثية من خلال طرح قاعدة

 “بِرُّ الأبناء أولًا” المذكورة في عنوان هذا المقال وهي الباحثة اللبنانية: د.ميرفت هشام جاموس.

السلوك السيِّئ: فعلٌ وردُّ فعل

إذ تعتبر الدكتورة ميرفت أنّ لكلّ سلوك سلبيّ يصدر عن أطفالنا عِلّةً خفيّة هي حقيقةُ ردّ فعله السيّئ وتصرّفاته المزعجة. فبالنظر الدقيق إلى سلوكات الأبناء يستطيع المُربّي ربطَ الحدث بأسباب أهمها:

-القدوة والمثال السيئ

-التسلّط وفرض الرأي

-النقد اللاذع والكلام السلبيّ

-المشاكل الزوجية والضغوط النفسية

-الجهل بالأساليب التربوية والحاجات العُمريّة

-نقص الرحمة وقسوة القلب

-نقص الثقة والتشجيع

-الرفض المسبَق للطفل

دراسة حالة

وقد قامت الباحثة المذكورة بدراسة حالة مع مراهق في سنّ السابعة عشرة: حيث كانت علاقته بوالدته سيئة جدا، يسيطر عليها العناد وعدم الطاعة ورفع الصوت بالكلام البذيء، كما أنّه كان يهمل دروسه ولا يُقدّم أيّ مساعدة في البيت والكثير من المشكلات السلوكية واللفظية.
وبعد تدخّلها في عدّة جلسات ومتابعته عن قرب في غياب والدته وحضورها، تمّ رصد جذر المشكلة وتحديد أسبابها المباشرة (مع وجود بعض الأسباب غير المباشرة أيضا). فقد لاحظت أنّ والدة الشابّ شديدة السلبيّة وتُصدر عليه أحكامًا مُسبقة بسبب علاقتها السيّئة بوالده (طليقها). كما أنّها لا تُنصت لابنها ولا تتفهّم وجهةَ نظره، فلا تُولي لرأيه أيّ اعتبار بل وتحقّره بشكل مباشر وغير مباشر. ودائمًا ما ينتهي النقاش بينهما بالتهديد والعقوبات غير المنطقية أو حتى بالشتائم وبالضرب أحيانا!

وبالنظر إلى هذه الحالة يسأل سائل: كيف يمكن أن تتوقّع أمّ مثل تلك الأمّ أن يكون ولدها بارّا بها مطيعًا مهذّبا ليّنا متعاونًا، وقد أشبعته أحكامًا سلبية وتسلّطت على آرائه وقلّلت من احترامه أمام الآخرين بل وجرحت غرورَه بفاحش الكلام؟!

معادلة بسيطة

إذ إنّ مطالبة الابن بالصدق تستدعي أن يصدُق الأب مع ولده أولًا، والزجر عن استخدام بذيء الكلام لابُدّ أن يتقدّمه سماع الأحاديث والكلمات المهذّبة اللينة…

إنّ من أفظع الجرائم التي تُرتَكَب في حقّ أبنائنا: “الابتزاز العاطفي” بدعوى العقوق والتغضّب والدعاء عليهم!

نحن من يصنع هذا العقوق بأنفسنا وقد تلطّخت أيدينا بسلاح الجريمة الشنعاء!

نحن من يدفع بالأبناء نحو الصمت والعزلة، ونبني بيننا وبينهم جدارا حجريا قوامه قسوة القلب ولبانه عدم الثقة..

وقد صدقت “جاموس” حيث قالت: “إنّ بِرّ الآباء لايُمكن أن يُطلَب ابتداءً، بل إنَّ الآباء مسؤولون عن تنشئة أولادهم وبناتهم على ما يحبّونه منهم، وتدريبهم على الخُلق الحسن الذي يتوقّعونه منهم منذ نعومة أظفارهم. فيُنمّوا فيهم الفطرة السليمة ويحاربوا السلوك السيّئ بالقدوة والمحاكاة والإنصات والتشجيع وغيرها من أساليب التربية الرحيمة التي نجدها واضحة في آيات القرآن الكريم، عندها يصبح السلوك السليم والمقبول عادةً مكتسبة ومنهجَ حياة”.

وتضيف الباحثة :”إنّ الأخلاق الحميدة يُمكن أن يكتسبها الطفل والمراهق تدريجيا ويعتاد عليها من خلال تدريبه والصبر عليه وتحفيزه وإعطائه الثقة اللازمة والمسؤوليات التي تنمي قدراته وتثبت شخصيته اجتماعيا فيتفتح نفسيا وعاطفيا نحو النضج والرشد”.

وهذا كلّه يعينه على تأدية واجبه البنَوي تجاه والدَيه دون معاناة أو صدام، فالمعادلة بسيطة: بِرّوهم يبرّوكم..

ليست أوّل مَن تكلّم

وقد تكلّم الكثير من الكتّاب المتأخّرين والمتقدّمين عن ضرورة إكساب الأبناء الضميرَ الأخلاقيّ وتنميته عبر الوسائل التربوية المناسبة؛ فقد ذكر الدكتور عبد الرحمن حبنّكة في كتابه” الأخلاق الإسلامية” هذه الفكرة حيث قال:

” يخضعُ الضميرُ الأخلاقي الفطري لأصول التربية وقواعدها، إذ هو قابلٌ للتنمية بممارسة عواطف الخير، وبدراسة كمال فضائل الأخلاق، وما تعطيه من ثمرات فردية واجتماعية….. وبوسائل الترغيب والترهيب، والقدوة الحسنة، وقصص البطولات الأخلاقية، وغير ذلك من وسائل تربوية…. وإهمالُ تربية الضمير الأخلاقي ممّا يُضعفه، ويجعله يضمُر ويتناقص حتى يفقد الحسّ النبيل، ثم يموت، وقد يفسد ويتحوّل بوسائل التربية المُفسدة حتى يكون جندياً من جنود شيطان الإنسان، ومؤازراً له في وساوسه ونزغاته.”

وأخيرًأ

هذا ولاتنفي الباحثة اللبنانية وجودَ أسباب أخرى وراء بعض السلوكات غير المقبولة مثل عامل الوراثة والبيئة المدرسية الحاضنة وصحبة السوء وغيرها من الأسباب الاجتماعية التي يمكن أن تؤثّر على سلوكات الأبناء مع آبائهم، غير أنها ركّزت على أن الآباء والمُربّين مُطالبون ابتداءً بتقديم ما يُعين الولد على البرّ والتخلّق بالأخلاق الحميدة بغضّ النظر عمّا ستؤول إليه الأمور مستقبلًا.

وخلاصة القول إنّ الأب والأم يزرعان بذور البِرّ في نفس الطفل صغيرًا ويحصدان ثمارها كبيرا…

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

أ.أفراح محيي الدين

أستاذة اللغة العربية في مدينة طرابلس اللبنانية. متطوعة في الجمعيات الخيرية، أكتب الشعر وأحبّ التطوير الذاتي على جميع الأصعدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى