سياسة و تاريخ

برادلي..قصة شقيقتين من المغرب حاولتا تفجير تل أبيب

ولد البشير برادلي بمنطقة الشياظمة، كان ذلك في بداية القرن العشرين (1905).

حين اشتد عود البشير حل بمدينة الدارالبيضاء، حيث اشتغل مساعدا لميكانيكي في ورشة صغيرة، أما زوجته فلم تكن سوى مولدة اسبانية الأصل، فرنسية الجنسية، تقطن بعين السبع (أحد أحياء مدينة الدارالبيضاء) اسمها إيرين بيليسير، وكان والدها تاجر خضر وفواكه.

  أعلنت الزوجة المسيحية اعتناق الدين الإسلامي، قبل أن يشرعا في التأسيس لحياة جديدة.

أنشأ البشير وزوجه شركة للنقل بطريق مديونة، بشراكة مع عبد الرحمن رزق ومحمد لعروسي، الذي تزوج من أنطوانيت شقيقة إيرين زوجة برادلي.

كان المشروع ناجحا، ما سيمكن الأسرة من تطوير مستواها الاجتماعي بشكل لافت.  في عين الذياب أرقى أحياء المدينة، سترى نادية، ثم شقيقتها غيثة النور، قبل أن يولد عبد الرزاق، الذي حرم من نعمة البصر.

توفي الأب (البشير) بضع سنوات بعد ذلك. فارق السيد برادلي الحياة حين كان يتواجد في إسبانيا (سنة 1966)، لكن عائلته ظلت دوما تشكك في أسباب الوفاة.

ايرين زوجته، اختارت اللجوء إلى المحكمة ضد شريكيه زرق والعروسي. هذا الأخير سيتولى تسيير شؤون الشركة بعد وفاة البشير. أما نادية، وغيثة فرحلتا قبل ذلك إلى فرنسا.

في تلك الفترة كانت نضالات الطلبة والعمال الفرنسيين تصنعان الحدث في الضفة الأخرى من البحر المتوسط.

نحن الآن في مايو 1968، حيث نفذ الفرنسيون أقوى إضراب عام في تاريخ البلد، مما اضطر الرئيس شارل ديغول للسفر سرا إلى ألمانيا وذلك لمقابلة صديقه الجنرال الفرنسي جاك ماسو ليتأكد من ولاء الجيش له خوفا من محاولته الوقوف في صف المتظاهرين.

بداية القصة

رأت نادية النور عام 1945 بالمغرب، لكنها تابعت دراستها في العلوم السياسية والاقتصاد بجامعة السوربون. هناك ستتعرف على محمد بو ضياء (جزائري كان يعمل من أجل القضية الفلسطينية). هذا الأخير الذي سيتم اغتياله يوم 27 يونيو 1973 بتفخيخ سيارته.

أما غيثة التي تصغر نادية بثلاث سنوات، فقد تابعت دراستها بمدارس البعثة الفرنسية بالمغرب، لكن توقف مسارها الدراسي في سلك البكالوريا، بسبب التزامها بالنضال من أجل القضية الفلطسينية (ستعود لمقاعد الدراسة سنة 1976 ببيروت بعد الإفراج عنها من السجون الاسرائيلية).

كباقي الشباب في المغرب كانت لأخبار فلسطين وقع قوي في البلد..ولأن نادية وغيثة كان لهما أصدقاء كثر من فلسطين، فقد قررتا تنفيذ “عملية فدائية” دعما للثورة الفلسطينية.

الخطة

قررت برادلي المشاركة في أول عملياتها الفدائية، مادفعها إلى قضاء خمسة أيام بباريس. تعلمت خلالها طريقة تركيب المتفجرات وإعداد الخطة، وحانت ساعة الحسم حيث كان الهدف تفجير 6 فنادق في تل أبيب، على أن يتوجه باقي أفراد المجموعة التي تنتمي إليها إلى مدن أخرى.

 كانت الخطة تقضي بأن تتم التفجيرات بجميع الفنادق في يوم كان سيتوجه فيه غونار يارينغ، المبعوث الأمريكي إلى إسرائيل، كما كان مخططا أن يتوجه كافة المشاركين في العملية إلى روما.

في الأصل كان من المقرر أن تشارك نادية لوحدها في العملية، على أن تشارك غيثة في عملية أخرى، غير أن اعتذار بعض المنفذين دفع نادية إلى سؤال شقيقتها إن كانت ترغب في المشاركة في هذا العملية. تقول غيثة “أبديت موافقتي المبدئية، لكنني طلبت مهلة أسبوع، وهو ما تمت الموافقة عليه”.

الساعة صفر

بعد إقلاع الطائرة انتاب الشقيقتان الشك. فقد ألحت المضيفات على إجلاسهما جنبا إلى جنب رغم دخولهما بشكل متفرق، حينها وراودتهما فكرة تفجير الطائرة، لكنهما تراجعتا عن الفكرة بعد أن أحستا بأن وقع تفجير تل أبيب أقوى مما سينتج عن تفجير الطائرة..

بعد وصولهما إلى مطار مدينة «اللد» التي تبعد عن تل أبيب ب20 كيلومترا، اعتقلت سلطات المطار غيثة برادلي فيما تمكنت شقيقتها نادية من تجاوز الحواجز الأمنية نظرا لملامحها المشابهة للأوروبيات وهي ترتدي ملابس قابلة للانفجار بقوة حين اشتعالها.

ظلت نادية تتجول في المدينة لمدة ثلاث ساعات كانت كافية لتحقيق العملية، لكنها لم تفعل ذلك. في النهاية ألقي عليها القبض قرب فندق “هيلتون”.

كانت الخطة تقتضي أن يسافر زوجان فرنسيان مسنان محملين بالصواعق قبل موعد سفر الأختين برادلي بثلاثة أيام، إلى جانب فرنسية تدعى «إيفلين بارج» التي سبقتهما بنحو خمس ساعات. تطلبت تفاصيل الخطة وجود ثلاثة أعضاء مهمتهم حمل المتفجرات إلى «تل أبيب» عبر الطائرة.

تم التدريب بشقق عديدة بضواحي باريس. شرح المشرف على الخطة للأختين برادلي كل ما يتعلق بالعملية وكيفية تجاوز الحواجز الأمنية للمصالح السرية بالمطارات وخريطة الفنادق والمسالك المؤدية إليها، إضافة إلى تفاصيل تفجير المتفجرات باستعمال خرائط خاصة..

حسب ترتيبات الخطة، كان من المفترض أن تقطن نادية وغيثة وإيفلين بارج في ثلاثة فنادق من أجل تفجيرها في ساعة تم الاتفاق عليها بشكل مسبق. تم تكليف كل واحدة بتفجير ثلاثة فنادق ب«تل أبيب» وحيفا، وتكلفت نادية بالاتصال بالزوجين الفرنسيين للحصول على الصواعق لاستخدامها في تفجير المتفجرات، وذلك بظهور كل واحدة منهن في الفنادق الثلاثة في نفس اليوم، حيث تشرف نادية على التنسيق الرئيسي للعملية.

كيف تم كشف العملية؟

تقول غيثة برادلي “السلطات الفرنسية هي من وشت بنا لدى اسرائيل. لقد أوردت صحيفة لوموند حينها أن المخابرات الإسرائيلية تنازلت عن سلطة التحقيق في هذه العملية لاسرائيل لقاء خدمات أخرى. لذا فإنني أظن أن اختيار ناشطة وأشخاص لم ينفذوا عمليات من قبل ولم تكن لديهم الخبرة قد سمح للمخابرات الفرنسية بملاحقتنا، لم يستطيعوا اللحاق بنا في أماكن إقامتنا لأننا كنا نغيّرها باستمرار لكنهم تمكنوا من رصدنا”.

وتابعت “كان كل شيء مخطط له بدقة، لكن الخطأ تمثل في ضم الشابة الفرنسية ايفلين بارج إلى العملية. فهذه الشابة التي لا تقل جمالا عن غيثة ونادية برادلي والتي ناضلت طويلا إلى جانب الفلسطينيين كانت ملاحقة من قبل الاستخبارات الفرنسية وهذا بالضبط ما أدى إلى وقوع كل المجموعة الفدائية بقبضة إسرائيل قبل تنفيذ العملية”.

حب في السجن

أثناء فترة اعتقال نادية في إسرائيل، كان يزورهما من حين إلى آخر المغني الفرنسي اليهودي، من أصل مصري، جورج موسطاكي، الذي كان يحب نادية، ولحن لأجلها أغنيته الشهيرة «Nadejda» (تصغير نادية).

غادرت نادية السجن بينما استمر حبس غيثة، لكن تعذر عليها العودة للمغرب خوفا من الاعتقال. آنذاك كانت العائلة تعيش وضعا ماليا صعبا،بعد أن بسط مقربون من العائلة يدهم على الثروة، مستغلين غياب الشقيقتين الاضطراري.

سافرت نادية إلى لبنان إلى بيروت بمساعدة بعض الفدائيين. تزوجت من أستاذ جامعي فلسطيني يُعتبر من نشطاء “الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين”. هناك مكثت سبع سنوات، قبل أن تعود إلى المغرب، شهرا واحدا فقط قبل غزو إسرائيل للبنان.

في وقت لاحق سيتوسط سفير فلسطين بالمغرب (أبومروان) لفائدة نادية وشقيقتها. تم الاتصال بياسر عرفات الذي وعد بالتدخل لفائدتهما لدى الملك الراحل. التمس أبو عمار من الملك أن يسمح لهما فقط بزيارة والدتهما في المغرب. عندما عادتا إلى المغرب استصحبتا معهما فاطمة البرناوي، المناضلة الفلسطينية التي كانت رفقتهما في السجون الإسرائيلية. بقيت نادية في المغرب إلى أن توفيت في 1995.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق