سياسة وتاريخمقالات

بداية سقوط الاتحاد الأوروبي وصعود المعسكر الشرقي

تداول نشطاء الفيسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي صورا قادمة من إيطاليا، تظهر لحظة إنزال علم الاتحاد الأوروبي ورفع العلم الصيني مكانه، في إشارة إلى بداية حقبة جديدة بين البلدين، رسمت في ظل الأزمة الحالية التي تمر بها دول العالم.

الخريطة الجديدة للعالم سترسم ما بعد أزمة الوباء القاتل “كورونا”، وقد تعصف بمجموعة من الاتحادات عبر المعمورة، وفي مقدمتها دول الاتحاد الأوروبي، وستظهر دول أخرى كقوة عالمية ستنافس الولايات المتحدة الأمريكية، وسيقسم العالم إلى ثلاثية قطبية عوض التنافس التقليدي بين روسيا وأمريكا، في حين ستتفكك دول أوروبا رويداً رويداً، حتى يصبح الاتحاد مجرد أطلال.

إن تضرر إيطاليا البلد الأوروبي من وباء كورونا، كشف بالملموس أن التعاون الأوروبي خلال الفترة الأخيرة هش مقارنة مع السنوات الماضية، فدول الاتحاد تخلت عن بعضها البعض في وقت كان من الممكن التعاون فيه للقضاء على هذا المرض.

الابن العاق أو إيطاليا كما تلقبها دول الاتحاد هي أكثر المتضررين من هذا الوباء، لكنها وجدت نفسها تحاربه لوحدها دون أدنى محاولة تعاون من دول عديدة بالقارة العجوز، فالبرغم من التقدم الكبير لهذه الدول في مختلف المجالات، والإمكانات المادية التي يتيحها التعاون داخل الاتحاد، إلا أنه لم يوظف لخدمة دولة كإيطاليا في فيروس كورونا الذي يضرب العالم، لقد تخلى الأوروبيون عن عقيدتهم التي بنوها منذ سنوات، وأضحى الاتحاد شعاراً مرسوماً على رقعة قماش زرقاء تتوسطها نجيمات صفراء.

إيطاليا إحدى الدول المهمة داخل القارة العجوز التي تتقاسم معهم عضوية الاتحاد الأوروبي والعملة والفيزا وكل شيء، لم تجد من يساندها في الأزمة الحالية، الشيء الذي قد يجعلها تفكر في رسم خريطة أخرى لعلاقاتها مع دول الاتحاد، ومن غير المستبعد أن تهدد مستقبلاً بالخروج منه، والاعتماد على نفسها وعلى حلفاء جدد كالصين وروسيا وبعض الدول من أمريكا الجنوبية، هذا التعاون الجديد بين هذه الدول من شأنه أن يقوي المعسكر الشرقي على حساب المعسكر الغربي، وإحداث نوعٍ من التوازن بين القوتين الشرقية والغربية، ما سيجعل إيطاليا في غنى عن هذا الاتحاد، ولربما قد تخرج كما خرجت إنجلترا ورغبة دول أخرى كثيرة في الخروج منه كألمانيا.

السياسة الإيطالية بعد هذه الوباء ستبنى على أسس جديدة بعيدة كلياً عن دول أوروبا التي تخلت عنها في وقت الشدائد والمحن، المساعدات القادمة من الصين وروسيا جعلت الإيطاليين يراجعون أوراقهم، وأولى هذه الخطوات إنزال علم الاتحاد لما في هذه الخطوة من دلالة كبيرة وأثر عميق على مكونات هذا الاتحاد، فالعلم الأزرق لم ينزل منذ رفعه الإيطاليون إلى جانب العلم الإيطالي إلا بعدما تخلت هذه الدول عن أحد أعضاءه، وأضحت بذلك العاصمة روما أبعد من أي وقت آخر من بروكسل وباريس وبرلين، واقتربت مسافتها حتى الصفر من عواصم أخرى لدول المعسكر الشرقي روسيا والصين وكوبا وفنزويلا، فهذه الدول هي التي وقفت إلى جانب الإيطاليين، وأرسلت لهم كل ما يحتاجونه من أجهزة وموارد طبية.

بداية التفكك الأوروبي ظهرت بالملموس مع خروج إنجلترا مؤخرًا، واعتمادها على نفسها اقتصادياً وسياسياً وفي جميع المجالات الأخرى، ما فتح الطريق نحو بلدان أخرى لتسير على الطريق نفسه الذي سار عليه الإنجليز، والأكيد أن دول أوروبية أخرى ستنظم إلى ركب المغادرين بعد أفول الأزمة الحالية.

صدمة إيطاليا من موقف أعضاء الاتحاد الأوروبي لن تمر مرور الكرام، وستكون لها نتائج وخيمة، قد تعصف بالابن العاق خارج الاتحاد، فصورة إنزال العلم الأزرق ورفع الأحمر تكشف بالملموس عن عمق التدمر الذي تحس به دولة إيطاليا، فمن شدة الألم والحسرة قام الإيطاليون في أماكن مختلفة من البلاد بإنزال علم الاتحاد الأوروبي ورفع علم دولة الصين مكانه، ما يكشف أيضًا عن غضب شعبي عارم تجاه الاتحاد.

الصين الشعبية كسبت المعركة، وضمنت لنفسها حلفاء جدد في سعيها لتحقيق نفوذ كبيرة بالعالم، كسبت إيطاليا ودول أخرى بالعالم بعد تقديم مساعدات إنسانية كبيرة، وأعادت الحياة إلى المعسكر الشرقي من جديد، مهددة بذلك الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، هذه الدول أغلقت أبوابها أمام إيطاليا ودول أخرى وتخلت على حلفائها في وقت الشدة، والأكيد أن حربًا أخرى وصراعاً غربياً شرقياً سيكون بعد نهاية هذا المرض القاتل، هذه الحرب لا نتوقع بأي الطرق ستكون لكن هدفها سيكون واحد، حسم الزعامة العالمية لصالح طرف معين، الطرف الذي أستطاع أن يكسب عقول وقلوب دول آسيا وأفريقيا وأوروبا وغيرها.

لحظة إنزال علم الاتحاد الأوروبي ورفع العلم الصيني
لحظة إنزال علم الاتحاد الأوروبي ورفع العلم الصيني

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عبد اللطيف ضمير

كاتب مغربي مهتم بالآداب وتحليل الخطاب، صحفي رياضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق