سياسة و تاريخ

بداية بريطانيا أم نهايتها؟

في غمرة الأحداث المتسارعة في الشرق الأوسط والعالم، تناسى الناس والمتابعون للشأن الأوروبي عامة والبريطاني منه على وجه الخصوص، أمر البريكست أو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، الذي أصبح في فترة من الفترات الشغل الشاغل للبريطانيين ومتابعي نشرات الأخبار على حد سواء.

حسم رئيس الوزراء البريطاني “بوريس جونسون” أمره وقرر الخروج من الاتحاد الأوروبي بحلول الحادي والثلاثين من يناير الجاري، وقد اعتبر كثيرون موافقة جونسون على هذا التاريخ خاصة بعدما هدد ساكن داوننج ستريت بنيته الانسحاب من التكتل الأوروبي بحلول الحادي والثلاثين من أكتوبر 2019، سواء اتفق مع أوروبا أم بقى الخلاف مستمراً بينهما.

كانت مسألة بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي قد تحولت لقضية خلافية منذ الانتخابات العامة عام 2015؛ وذلك بعدما طالب عدد غير قليل من الناخبين البريطانيين -ومنهم ناخبي حزب المحافظين الحاكم- رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون بوضع حدٍ لهذا الأمر، فما كان من كاميرون إلا أن وعد ناخبيه بإجراء استفتاء حول هذه القضية الشائكة في حال أعيد انتخابه رئيساً للوزراء.

أما عن الأسباب التي دفعت كثير من البريطانيين لهذا الأمر الخطير فهي:

1- تزايد أعداد العمالة الأوروبية في بريطانيا، ما اعتبره كثير من القوميين البريطانيين انتهاكاً واستيلاءًا على حق البريطانيين في حصولهم على فرص عمل ببلادهم.

2- تدفق اللاجئين على الأراضي الأوروبية بأعداد ضخمة خاصة صيف 2015، واتفاق أعضاء الاتحاد الأوروبي على توزيع اللاجئين بينهم بالتساوي، لكن العنصريون كان لهم رأي آخر بتنظيم تظاهرات رافضة لدخول اللاجئين القادم جلهم من الشرق الأوسط، ووصل الأمر ببعضهم لاغتيال النائبة العمالية “مارجريت كوكس” المعروفة بمواقفها المساندة للاجئين.

3- الرسوم المرتفعة التي تدفعها بريطانيا سنوياً لعضوية الاتحاد الأوروبي، والتي وصلت لسبعة وأربعين مليار دولار سنوياً.

بعدما فاز كاميرون برئاسة الوزراء أوفى بوعده، وحدد الثالث والعشرين من يونيو 2015 موعداً للاستفتاء الموعود، وبعد انتهاء الاستفتاء، أظهرت النتائج رغبة 42% من البريطانيين في مغادرة أوروبا، ولرغبة كاميرون في بقاء بريانيا داخل أوروبا؛ استقال في اليوم التالي للاستفتاء تاركاً لحزبه مهمة تحديد خليفته الذي سيقود مفاوضات الانفصال.

أسفرت انتخابات الحزب الداخلية عن فوز “تيريزا ماي”، التي تولت وزارة الداخلية في عهد كاميرون لتقود السفينة البريطانية المضطربة في رحلة الانفصال، وبدأت ماي مسارها الشائك بصياغة اتفاقات، ومن ثم عرضها على المفوضية الأوروبية ومجلس العموم، لكن ماي فشلت المرة تلو الأخرى على مدار ثلاث سنوات، لتسير على نهج كاميرون وتغادر منصبها ليحل محلها مسئول جديد.

صعد “بوريس جونسون” لسدة الحكم في الرابع والعشرين من يوليو 2019، وقد استبق أي محاولات لعرقلة الاتفاق الذي قد يصل إليه مع الأوروبيين عبر نواب الشعب، بتصريح مستفز بأنه سيخرج من أوروبا مهما كانت العواقب ولو دون اتفاق مع دول الاتحاد، وبالفعل فشل جونسون في تمرير اتفاقياته خاصة الأخير الذي حاز على موافقة المجلس الأوروبي بشق الأنفس، ولجأ إلى الانتخابات المبكرة.

اكتسح جونسون وحزبه الانتخابات التي جرت فى ديسمبر 2019، واعتُبر رجل بريطانيا الأول، وأنه حصل بفوزه الساحق هذا على تفويضٍ شعبي بالخروج من أوروبا نهاية الشهر الجاري، مصرحاً بأن إتمام عملية الخروج هو بداية جديدة لبريطانيا بالرغم من مخالفة الواقع لذلك.

فبموجب اتفاق جونسون الأوروبي الجديد، ستخضع بريطانيا للقوانين الجمركية الأوروبية في تعاملاتها التجارية مع أيرلندا الشمالية، وهى جزء هام من المملكة المتحدة يتبع الاتحاد الأوروبي، بالرغم من نفي جونسون موافقته على هذا الأمر في وقتٍ سابق.

ومن ناحية أخرى ستصبح بريطانيا على حافة التفكك؛ خاصة مع ربط اسكتلندا بقائها ضمن التاج البريطاني ببقاء لندن ضمن العائلة الأوروبية، ما يعني مطالبة أدنبرة بالانفصال حال غادرت حكومة جونسون الاتحاد الأوروبي، وهو ما سيؤثر بالسلب على الاقتصاد البريطاني القائم على نفط بحر الشمال، الذي يستخرج 90% منه من المياه الاسكتلندية.

وأخيراً ستكون هناك ضبابية في القوانين التي ستطبق على البريطانيين الموجودين في أوروبا، والعكس بالنسبة للأوروبيين المقيمين في بريطانيا، خاصة مع غياب أي تفاهم بين حكومة جونسون وحكومات أوروبا حول هذه القضية، ما يشي بأن بداية نهاية المملكة المتحدة وأوروبا اللتين نعرفهما باتت على الأبواب، وما فرنسا وألمانيا منا ببعيدتين.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق