ثقافة وفنون

بالإسفاف وشراء الأقلام.. كيف تصبح روائيًا بسرعة فائقة هذه الأيام؟

على مر تاريخ الرواية العربية خرجت إلى النور عقلياتٌ فذة وحروفٌ شهد على روعتها الجميع، لكن ومع مرور السنوات تحولت الكتابة في أوطاننا من يد الإبداع إلى يد الصُناع، وبعدما كانت نُدرة الأقلام أزمة، وأصبح اكتظاظ الأوساط الثقافية بالأقلام واقعًا لا مناص منه، حتى أنه يُخيل أنه سيأتي يومًا ما في القريب لن نجد فيه قُراء، بل سنتحول جميعًا إلى كُتابٍ ونُقاد.

الغريب في الأمر، أن ازدياد عدد كُتاب الرواية العربية بذلك الشكل لم يؤثر بشكلٍ إيجابي على المحتوى المطروح، بل على النقيض، اختلط الحابل بالنابل حتى صار العثور على عملةٍ فضية في قاعِ المحيط أمرًا أيسر بكثير من الوصولِ إلى أقلامٍ جديدة تستحق المتابعة، فلم يجد القراء بُدًا من التشبث بالتراثِ أو التحول إلى قراءة نتاج الثقافات الغربية من رواياتٍ مترجمة يجدون فيها متعةً عقلية لم يتمكنوا من الحصول عليها في ظل الهرج والمرج المسيطرين على أقلامنا العربية الجديدة.

فقد صارت الروايات العربية مأوى للمشاهد الجنسية الغير مبررة، بل يتبارى الكُتاب فيما بينهم بأيهم أكثر فظاظةً في ألفاظه وجرأةً في وصفه إلا من رحم ربي، اختلفت المعايير فبعد أن كانت قوة اللغة وروعة الألفاظ في بداية القرن التاسع عشر هما السبيل لنيل صك التقدير من النقادِ والقراء، ثم احتلت مدرسة الموضوع موقع الصدارة في منتصف القرن المنقضي.

الآن أصبح الوضع مخالفًا، فأضحت أغلفة الرواية العربية أول ما يشغل بال الكُتاب ويجذب انتباه القُراء، فقط احرص على تصميم غلافٍ براق، مرعب ويجذب الانتباه حتى وإن كان بعيد كل البعد عن أحداثِ عملك، وبعدها يأتي دور المال، انفق وبقوة على صفحاتٍ رائجة على مواقع التواصل الاجتماعي، اجعلهم يقسمون على أنك الروائي الذي لا غبار عليه، اجعلهم يمدحون قلمك مدح المتملقين، ولا ضير بالطبع من بعض العلاقات بصحفيين يوجهون أقلامهم لمنحك ألقابًا على شاكلة “ستيفين كينج العرب”، “أجاثا كريستي الشرق” أو حتى “محفوظ الجديد”، ولا تنسى أن يكتبوا كلمة “أديب” قبل اسمك، فقد اُنتهك ذلك اللقب الجليل وأصبح ممنوحًا لكل عابر سبيل.

بالطبع لم يكن ذلك نتاج العدم فالأسباب كثيرة وبينة، يُعد أبرزها تحول مجال الكتابة والنشر من يد الإبداع إلى يد الصُناع، فلك أن تتخيل أن عدد دور النشر بجمهورية مصر العربية وحدها يفوق السبع مئات!، نعم ما يزيد عن سبعمائة دار نشر تفتح مصراعيها لكل من أراد ولوج العالم الأدبي، والعينة على من أمتلك المقابل، بضعة آلاف من الجنيهات المصرية كفيلة لمنحك لقب كاتب بعيدًا عن محتوى ما تقدمه أو عن جدارتك.

أصبحت دور نشر الرواية العربية مشروعًا ربحيًا من الدرجة الأولى، يسعى أغلب مُلاكها إلى استنزاف نقود شباب الكُتاب مستغلين الواجهة البراقة للعالم الأدبي الذي تحول باطنه إلى أكثر من مهترئ لا يسُر الناظرين، فأصبحنا نرى أعمالًا كاملة مسرودة باللغة العامية سردًا وحوارًا، أصبحنا نرى كُتبًا لا هدف منها سوى الاستخفاف بعقل القراء.

ولتضخيم الأرباح من وراء ذلك المشروع، لجأت أغلب دور النشر على استقطاب مشاهير التواصل الاجتماعي -الذين لا ناقة لهم ولا جمل بالكتابة- وتحويلهم إلى كُتابٍ طمعًا في مبيعات أضخم، بل صار عدد المتابعين شرطًا أساسيًا لبعض دور النشر الكبيرة لقبول عمل الكاتب.

في الحقيقة من الظلم إلصاق تهمة إفساد العالم الأدبي بدور النشر وحدها، فلم يكن انتهاجها لمبدأ الربحية البحتة وليد العدم، بل كان نتيجة لأسبابٍ عدة وعلى رأسها تراخي الجهات الثقافية المنوط بها التنقيب عن الأقلام الجديرة بالنشر وتطويرها، وعدم مواكبة تطورات العصر وفرق الأجيال بينهم؛ كرجالٍ نهلوا من منبع الثقافة والنقد وبين شابٍ يخط بقلمه أولى حروفه.

اقرأ أيضًا: فيلم «أنا الماعز الأليف»: العالم على موعد مع فصول الظلام والرعب

اقرأ أيضًا: المصداقية الغائبة: المثقف الفلسطيني ناصر الحزب على حساب القضية

كما أن تهميش الطابع الثقافي من خلال وسائل الإعلام والجهات التعليمية كان مسمارًا أول بنعش ثقافة الجيل الجديد، فلم يعد هنالك اهتمامًا بمكتبة المدرسة أو بالأحرى لم يعد لها وجود من الأساس، ولم نعد نرى عائلة ونيس أو ما يوازيها بعصرنا على شاشة التلفاز لتزيد من وعي العائلة برمتها، بل أصبحت أنظارنا ملصقة بكل معاني الهبوط الفكري والثقافي ليلًا نهارًا، بل أن قراءة الروايات والأعمال الأدبية أصبحت مجرد تباهي وموضة.

في النهاية وتلخيصًا للسطور السالف ذكرها، إذا ما أردت يومًا بلوغ قمة الهرم الأدبي في بلادنا العربية فاحرص على الإسفاف، اشتري النقاد والألقاب، وبالطبع لا تنسى الترويج عبر صفحاتٍ رائجة، خطوات سهلة وبسيطة تقتضي إنفاق بعض الأموال، لتصبح روائيًا عربيًا.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

Ahmed Topgy

أحمد الطوبجي، كاتب روائي لدى دار زين للنشر والتوزيع...صدرت له روايتين وهما:- لعنة كيوبيد رسائلهن مؤسس ورشة الكتابة نوفيستوري

تعليق واحد

  1. ليس كل مايكتب يقرأ وليست كل الكتابات بقلم من ذهب إن الكتابة دائما سيف فى يد الكاتب الحق
    ولؤلؤ فى قلم الكاتب النزيه الذى لايسعى خلف الربح أحسنت النشر وأحسن قلمك لضم الاحرف ربما أستطعت الاصلاح فى يوم ما

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق