سياسة وتاريخ

انسحاب أمريكا من الشرق الأوسط مجرد وهم

يبدو أن المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط تواجه تراجعا ملحوظا، حيث يقول الدبلوماسي المخضرم مارتن إنديك الذي كرس معظم حياته المهنية لحماية المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط في مقال حديث في صحيفة وول ستريت جورنال “أن هذه المصالح لم تعد حيوية و لا تبرر المستوى الحالي للتدخل الأمريكي هناك ونفط الشرق الأوسط لم يعد يمثل نسبة كبيرة من استهلاك الأمريكيين للطاقة، إن براعة إسرائيل العسكرية تجعلها أكثر اعتمادا على الذات من أي وقت مضى. و السعي الأمريكي إلى السلام العربي الإسرائيلي “لا طائل منه” كما يقول إنديك : هذا لا يعني أن على الولايات المتحدة أن تنسحب تماما من الشرق الأوسط، ولكن عليها أن تجد بديلا واقعيا يتناسب مع انخفاض أهميتها في المنطقة.

وكان مارتن إنديك يردد تصريحات الرئيس ترامب المتكررة حول أهمية الانفصال عن نزاعات الشرق الأوسط و يعكس عقيدة الرئيس باراك أوباما بشكل أكثر وضوحًا. والتي كشف عنها الرئيس الأمريكي السابق خلال مقابلة مطولة مع مجلة “ذي أتلانتك” عام 2016، عندما برر موقفه بالقول إن الولايات المتحدة لديها موارد محدودة وعليها اختيار المكان الأفضل لتوظيفها. وفي رأيه، فالمكان المناسب هو آسيا وليس الشرق الأوسط. على حد تعبير أوباما، إذا لم تشارك الولايات المتحدة آسيا فإنها تفوت على نفسها ركوب الموجة لأنها تركز على معرفة كيفية السيطرة على الأجزاء الخبيثة والعنيفة من الإنسانية، غير أن هذا الرأي يستبعد أجزاء هامة من القصة.

إن المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط لا ترتبط فقط باستيراد النفط والدفاع عن إسرائيل وتحقيق السلام العربي الإسرائيلي. بل يلعب الشرق الأوسط دورًا مهمًا في تحديد المكانة العالمية للولايات المتحدة. إن ضمان حرية الملاحة والتجارة، ومنع القوى المتنافسة من الحصول على نفوذ في المنطقة، كونها قوة حاسمة في السلام والأمن في الشرق الأوسط، ودعم الديمقراطية والاندماج في الاقتصاد العالمي ومكافحة التعصب والتشدد هي مكونات أساسية في القيادة العالمية للولايات المتحدة.

إن ضمان استقرار إنتاج الطاقة له تأثير مباشر على قدرة الولايات المتحدة على الاستمرار في تشكيل سوق النفط العالمية، وبالتالي دورها في الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي العالمي وزيادة نفوذها في قارة أوروبا .

وباختصار، كلما قل نفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، زاد نفوذ روسيا والصين وبقية الدول التي تتطلع إلى الهيمنة الإقليمية مثل إيران وتركيا. وستكون النتيجة النهائية زيادة الفوضى إقليميا وتحول في السلطة لصالح القوى غير الليبرالية في العالم.

والسؤال إذن هو كيف ينظر صانعو السياسات الخارجية للولايات المتحدة إلى دورها في العالم؟ فهل تعتقد أنه لا يزال لديها الرغبة والقدرة على الحفاظ على النظام الليبرالي وتعزيزه عالميا أم أنهم سعداء لتقاسم عبء القيادة مع القوى الاستبدادية وترك العالم في هذه الحالة يتحول إلى نظام ليبرالي عالمي متعدد الأقطاب؟ وحتى لو اختار السياسيون مصلحة أمريكا وقرروا الانسحاب من الشرق الأوسط فإن المنطقة ستجرهم إليها مرة أخرى خاصة بسبب اسرائيل.

الشيء المؤكد هو أن إسرائيل قادرة على الدفاع عن نفسها ضد أعدائها. ولكن يبدو من غير المعقول أن تتركها الولايات المتحدة لمواجهة التحدي المتمثل في إيران لوحدها – بسبب قلقها على أمن إسرائيل من جانب ولضمان ألا تضر الإجراءات الإسرائيلية بالمصالح الأمريكية الأخرى في المنطقة أو تجرها إلى مواجهات غير مرغوب فيها من جانب آخر.

 الأمر نفسه ينطبق على الصراع العربي-الإسرائيلي ، حيث من غير المحتمل أن تقف الولايات المتحدة مكتوفة الأيدي عندما تبدأ مواجهة جديدة من الصراع بين إسرائيل وقطاع غزة بقيادة حماس أو حزب الله في لبنان.

وحتى بدون صراع، هل سيتخلى الأمريكيون الذين يهتمون بشدة لأمر إسرائيل عن محاولة مساعدتها فجأة؟ وإذا فعلوا ذلك، هل سيسمح القادة الإسرائيليون للولايات المتحدة بالانسحاب بينما هم غارقون في مثل هذا الصراع المشؤوم؟

وفي نفس الوقت لن يسمح الحلفاء العرب للولايات المتحدة بفك ارتباطاتها معهم. سواء أكان الأمر يتعلق بأمن الخليج العربي، أو التنافس السعودي الإيراني، أو تحت أي مسمى آخر، فإن هذه الحكومات ستبذل قصارى جهدها لإبقاء الولايات المتحدة إلى جانبها.

من ناحية أخرى، فإن أعداء الولايات المتحدة يستغلون كل انسحاب أمريكي للضغط من أجل المزيد من الانسحابات، حتى لا يبقى للولايات المتحدة سوى الانتقام. ومن الأمثلة على ذلك الزيادة الحالية في الضغط الإيراني على الوجود الأمريكي في العراق.

وفي نهاية المطاف، لا تستطيع الولايات المتحدة ببساطة وبشكل مفاجئ أن تنسحب من الصراع في الشرق الأوسط حسب قول أوباما وترامب.

إن الخيار الذي تواجهه الولايات المتحدة ليس بين الانخراط والانسحاب، ولكن بين الانجرار إلى صراعات الشرق الأوسط على مضض وبدون استعداد، أو وضع إطار متماسك وخطة محكمة لمشاركتها الحتمية. ويجب أن يقرر ما إذا كان هذا الإطار سوف يركز على حماية المصالح الضيقة والاعتماد على القوة العسكرية، أو ما إذا كان سيكون جزءًا من رؤية سياسية واسعة لدور الولايات المتحدة في العالم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

المصدر
ًWashington Post
الوسوم

حورية بوطريف

أم جزائرية، ماكثة بالبيت، أحب المساهمة في صناعة المحتوى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق