مدونات

انتهت ذكرى مولده و لم ينتهِ محياه فينا

تعمدت تأخير كتابة ذلك الموضوع بعد ذكرى المولد النبوي الشريف.. فإن كانت انتهت ذكرى مولده فلم ينتهِ محياه فينا ما حيينا.

ولكن كيف أكرمتموه في يوم مولده بل كيف تكرموه ما دمتم أحياء وهو سبب الخير والمعرفة التي نعيشها؟

فإن كنا نهتم بمولد الكثير من الأحبة والشخصيات المفضلة لدينا طوال السنة بالاحتفالات والهدايا، فما الذي نفعله مع حبيب الله سيدنا محمد والذي عانى بحياته الكثير حتى (أمة اقرأ ) تتعلم وتقدر على الحياه ومصاعبها.

علّمنا بأن نتصدق ونتزكى ونُطعم الطعام ونفعل الخير ونصلي ونصوم والجزاء لأنفسنا.. فما نصيبه منّا ومن فِعلنا؟

لأجل النبي الذي وُلِدَ يتيم الأب ودفن أمه بيديه وهو بعُمر ست سنوات. ومات عمه وزوجته في وقت كان بأمس الحاجة إليهم، ورغم ذلك لم يتوقف عن السعي برسالته في معرفة الله والايمان به وإتمام الأخلاق الكريمة.

عند هجرة النبي إلى المدينه أقام صلى الله عليه وسلم في دار الصحابي “أبي الأيوب الأنصاري”، وما أدراك ما كرم هذا الصحابي مع النبي في بيته. أقام النبي في دار أبي أيوب سبعة أشهر إلى أن بُني بيت الرسول والمسجد النبوي. ألح الصحابي على النبي بأن يقيم في الدور العلوي للبيت ولكنه رفض.
كان لا يأكل هو وأسرته حتى يأكل رسول الله ويسأل عن موضع يده الشريفه ويأكل من حيث كانت. وبذكر أحد المواقف أن يومًا كُسرت جرة ماء في دار الصحابي ففزع هو وزوجته يجففان الماء خشية أن ينزل على الطابق الأسفل للبيت، وكان الصحابي وأهله لا ينزلون للأسفل حياء من رسول الله ويمشون على أطرافهم بالطابق العلوي حتى لا يحدث صوتًا يزعج النبي. استمر الصحابي في الإلحاح على النبي حتى وافق على انتقاله للطابق العلوي للبيت.

وهذا هو كرم أحد الصحابة وغيره الكثير مع رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

فبماذا أكرمتموه في يوم مولده؟!

نحتفل بالمولد النبوي الشريف كل عام بإحياء الذِكر وصُنع حلوى المولد التي اشتهرت بها مصر خاصة؛ فمنذ القدم والإنسان المصري يهتم بالمناسبات الدينية ويكون لها طقوسها الخاصة المتميزة مما توارثنا ذلك التقليد على مر العصور، فالاحتفال بالمولد النبوي الشريف له طِباعهُ الخاصة من بين المناسبات الدينية حيث أن بمولده كشف الله الغُمّة عن العرب بعد وقت من القحط وانقطاع المطر، ومع مولده فرّج الله الكرب وأهطل الخير على عباده.
وظل في أذهان المسلمين أن مَولد النبي هو هدى و نور وكشف الغمام عن العباد فبهذا هو مولد سعيد يُدخل السرور على قلوب من آمن بالله ورسوله، وإن كان هذا بعد اختيار الرسول الرفيق الأعلى فمازال له الأثر في نفوس المؤمنين.

وفي عهد الفاطميين الذين أرادوا التقرب للمصريين من خلال اهتمامهم بالاحتفالات وطقوسها، ظهرت حلوى المولد بأشكالها المختلفة خاصة العروسة والحصان. حيث يُقال أن عروسة المولد تمثل زوجة الخليفة الحاكم، أما الحصان فيمثل الخليفه على حصانه كصاحب الانتصارات والفتوحات.

كما أن هناك رأيًا آخر وهو أن في عهد الحاكم بأمر الله الذي منع الاحتفالات بما فيها الاحتفال بالزفاف لم يمنع الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، فانتهز حينها المصريون تلك المناسبة الدينية لإقامة حفلات الزواج، فكان الحصان رمز العريس الذي يذهب لأخذ عروسه. وهناك العديد من الحلوى لكن أشهرها العروسة والحصان.

يتميز المصريون بتلك الاحتفالات كل عام ومسلمي العالم لا يشعرون بحفاوة الاحتفال إلا على أرض مصر.

ولكن المهم في هذا الأمر هو.. هل طغى اهتمامنا بالحلوى على اهتمامنا بالعبرة من ذكرى مولد النبي الهادي الأمين؟ هل لازالت كل أسرة عندما تشتري الحلوى تقوم بسرد القصة والعبرة وذِكر رسول الله وسيرته العطرة؟

فكيف لمسلم يشتري لأولاده “حلاوة المولد” أن يدخل بيته ليفتعل المشاكل أمامهم أو معهم أو حتى يكذب أو لا يهتم بإقامة الصلاة أمام أبنائه الصغار أو يصلى بهم!

أو كيف لتجمعات الشباب يتذاكرون ويتحدثون عن فنان أو مطرب أو لاعب كرة مفضل لديهم يتناسون في المقابل ذِكر رسولهم ومولده وسيرته الذى عانى في رسالته حتى تصل إليهم، وما علّمته إيانا سيرته من ماهية الأخلاق والحب والرحمة بين البشر!

فإن كانت لا تنساه قلوبنا وعقولنا وألسنتنا لِمَ إذن وصلنا لحال فيه طغت الحروب والقتل والحقد، وتشاحنت فيه النفوس القريبة فيما بينها!

أكرمنا الله بالهادي الصادق الأمين، وأكرمنا الحبيب سيد الخلق أجمعين بالرأفة والرحمة لأمته وسائر الخلق.. فهو رحمة للعالمين. وقد كان فيما يقول الرسول “لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة”. إنه يعرف أن أعمالنا تستحق وتنتظر الشفاعة أمام الله حتى يعفو ويرحم، ولحظة انتقاله للرفيق الأعلى لم يردد سوى “اللهم خفف عن أمتي”.

فماذا فعلنا أمام كرمه العظيم معنا؟!
ماذا لو طرق أبوابنا رسول الله يطلب الضيافة.. هنالك ما الذي سيتغير في بيوتنا وأفعالنا، وماذا لو طرق أبواب قلوبنا فإن القلوب منازل.. حينها ما الذي سينطفئ بالقلب وما الذي سيُنير أمام رسول الله؟

كل شيء سيتغير مادام فينا رسول الله ما حيينا.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

بسمة محمد

من صعيد مصر وأسعى أن اكون علي قدر اسمي 'بسمه
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق