سياسة وتاريخ

انتفاضة نتمناها قريبة لإنقاذ ما تبقى

السقوط في الوحل ليس نهاية المطاف ولكن المصيبة الكبرى هي الاستسلام للواقع وعدم المقاومة والوقوف على الأقدام من جديد، الحياة مليئة بالتجارب فكم من أمم غاصت في براثن الجهل والتخلف والإنحطاط الأخلاقي وزوال القيم والمبادىء وهروب الشعور بمعاناة الفقراء والمساكين والمحتاجين، وها هي قد عادت وتبوءت المراتب العليا وأخذت نصيبها من التقدم والرقي وتم معاملة شعوبها معاملة البني أدمين من حيث الحقوق والواجبات والارتقاء بالتعليم والصحة عملتي النجاح لأي نهضة منتظرة للأمم في الأفق القريب والبعيد.

قول الحق في زماننا هذا أصبح من الأشياء الشاذة والمكروهة والتي تؤدي بصاحبها لحافة الحاوية ومن ثم اختارت الأغلبية الطريق الممهد والمرسوم لها بخطط جهنمية وصاروا كالقطيع المسالم الراضي المرتضي بالفتات والذي يهوي السقوط في بئرهم السحيق نظير التعلق بالأوهام والخوف والجبن، فهؤلاء يظلوا متمسكين ليس بدينهم وإنما بتطبيق نظرية الصم البكم العمي لحماية أرواحهم بعدما تركوا أجسادهم تفعل بها السافرة وأراضيهم تقسم ويتم بيع اجزاء منها للأعداء والاصدقاء على حد سواء للذي يدفع أكثر وكأنها تركة قد تركها لهم والديهم، يا حسرتاه على النفس اليائسة التي قنطت من بشر فاني عاصي إمتلك عصا حديدية وحاشية فاجرة وبطانة فاسدة من الأوباش ومنافقين ما أكثرهم وشلة من راقصي الأحبال وكلاب محترفة في الدعاية الفجة وساعدهم في فجرهم من دون ما يشعرون حفنة من المغيبين الجاهلين والمستغلين والقواعد من الرجال الذين شاركوا الخوالف في قعدتهم.

ولم يقنطوا من الرحمن الرحيم خالق الخلق جميعا، خلق الله في أبهى صورة وإذ بأشخاص لا يساوون ذرة من تراب يرعبون شعوب بأكلمها، مع العلم هذه القلة لا تغمض أعينهم وتراودهم الكوابيس والاحلام المزعجة في نومتهم الآثمة ويتملكهم الخوف المستمر من نهايتهم المأساوية القادمة بلا مواربة، خلق الله النجوم في السماء وجعلها فوق رؤوسنا لترشدنا للطريق الصحيح ولكننا أبينا ونظرنا تحت أقدامنا، قال سبحانه وتعالى “وَعَلَامَاتٍ ۚ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ” سورة النحل الآية 16، وخلق الله نور القمر لينير ظلماتنا لكننا غضين الطرف عنه أيضا، وخلق الله تعالى الشمس ورغم حرارتنا لم تشعر بها أبداننا من كتر ما زادت سخونتها وإصابتها بكل ما هو متاح من الأوجاع والآلام والحبس الإنفرادي والتعذيب والإخفاء القسري وقبضة السجان الموحشة والزنزانات السوداء التي لا فرق فيها بين ليلها ونهارها.

قال تعالى “أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا، وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا” سورة نوح الآية 15/ 16، كما قال سبحانه: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ” سورة يونس الآية 5، حروف اللغة العربية إستجارت من التحريف والتخوين والعمالة والبيع والتفريط، الأحزان غطت الأرجاء ونظر الوالد لبنيه وهو يحدث نفسه بعد رسوبه في الامتحان الأقوى في الحياة ويتأسف في انكسار عن سكوته وهوانه وعدم فعل أي شيء بلى فقد رضى بالذل والإمتهان وتهاوت كرامته يمينا ويسارا ولم يحرك ساكنا، إني لأتذكر رسام الكاركتير الفلسطيني الفذ ناجي العلي والذي واجه العدو الصهيوني والأنظمة العربية الفاسدة بشخصيتي حنظلة ذلك الطفل المقيد يديه خلف ظهره والذي ينظر دائما لأسفل من قيلة حيلته ومواجهة مصيره لوحده وحزنه على حال العرب جميعا وما آلت إليهم أحوالهم المزرية وتفككهم وصراعتهم الداخلية والخارجية والحدودية وترك القضية الأم تنتهك وتغتصب وتدنسها أقدام الكيان الغادر.

فاطمة تلك المرأة والزوجة الثائرة التي تحرك زوجها وتعلم أبنائها على الصمود والإستشهاد في سبيل الله والوطن، فرض الجهاد منع من مناهج الدراسة في البلاد العربية وأصبح يعد ذلك صكا على بياض للقبول بالامر الواقع والتعايش معه تحت أي ظرف، واخترنا مبدأ الإستعطاف والمحايلة السياسية الحصول على بقايا ما يتركه العدو برغبته المثلى، بل نكرمه بتطبيع العلاقات معه وتغليفها بالعسل المر، وبعدها يظل التفاوض على ماذا! فبعد ان كان لنا ثلاثة أرباع الأرض أصبحنا نستجدي من العدو الغاشم فقط الربع من الأرض، انقلبت الآية كليا وصار الأسد منطلقا يعربد شمالا وجنوبا وشرقا وغربا بلا حساب، الفجور أصبح واقعا على رؤوس العباد الشرفاء الأبرياء.

انتفاضة نتمناها قريبة تزلزل قلاع وحصون العدو أينما كان، وأمل يحرك سواعدنا يوحد كلمتنا ورايتنا وفكرة مستنيرة تجمعنا على الحق والعدل والقصاص من كل قاتل جبان يحتمي وراء الأسوار الحديدية وغلق الميادين واعتقال القيادات الثائرة النشطة، نبذ الخلافات شيء بديهي لا بد منه لمن أراد الفلاح والسعي نحو الهدف المنشود والمستقبل المأمول، الصبر له حدود ولكن عندما يحين الأجل هموا لنصرة دينكم قبل أوطانكم واعبروا الحدود لا تهابوا مدافعهم وصواريخهم وطيرانهم فقلب المؤمن أقوى من كل ذلك وعندما يأتي المدد من الله فلا راد لقضائه، ما زال في جعبة العالم العربي الكثير فقط والمطلوب منا تحييد ملوك الغابات عندنا أولا والقضاء عليهم أولا وحسابهم فوريا على ما اقترفوا في حق شعوبهم من ظلم وفساد واستبداد، ثم ياتي بعد ذلك شد الرحال للبقعة المقدسة التي تستحق كل نفيس وغالي ان يذهب فداءا لها، وغدا ستدور الدائرة ويعرف كل امرؤ قدره ومصيره المحتوم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"
زر الذهاب إلى الأعلى