مدونات

انتحار طالب الهندسة

انتقى أطول الأبراج ارتفاعًا، بدأ يصعد على مهل، فهو غير قادر على السير، بدأ يترنح، ثم جلس يفكر هل الله سيغفر له ما سيفعل؟ تدفقت الذكريات الأليمة رغمًا عنه، فانفجر بالبكاء، ثم أكمل الصعود على مهل، حتى وصل إلى أعلى دور في برج القاهرة، وألقى بنفسه.. مات منتحرًا. قبلها بأيام قليلة انتحرت فتاة أيضًا، وكأن أم الدنيا التي كانت تصدّر حضارة، تبدلت وصارت تصدّر إحباط ويأس، يقتل الأمل في النفس، ويؤدي إلى الانتحار.

وفي صيغة بسيطة حمّل الطالب المنتحر الدكتور وزر انتحاره؛ لأنه يدرس في كلية الهندسة لمدة خمس سنوات، ولم يحقق شيئًا يُذكر، وهذا الإحباط أدي إلى وفاته، ومن مسببات الإحباط الكلمة؛ فإذا كانت كلمه سيئة تهدّ في النفس مثل المعاول التي تهد الحوائط، وتتجمع الكلمات السلبية عند المريض على مرور الزمن، حتى تصبح وسواسًا ينخر في رأسه، يحاول أن يمنعها بكل ما أوتي من قوة، لكنه لا يقدر على ذلك، يشغل نفسه بكل وسائل الترفيه، لكنه يجد فيها أخبار تسد شريان الأمل في داخله. يذهب إلى أحد يسمعه، من أهله، أو أقاربه، فلا يسمعه أحد، وكأنه غير موجود. يصير الاكتئاب كذئب مفترس ينهش فيه.. عليك الانتحار. يحاول أن يقاوم مثل كل السذج، فيضع يده على أذنه كي لا يسمع الصوت، لكن الصوت يعلو، هنا لا يقدر على المقاومة، فينهار رغمًا عنه، ويستسلم.
لذا وعى كل العظماء إلى أهمية الكلمة، حيث قال عبد الرحمن الشرقاوي ” الكلمة نور وبعض الكلمات قبور”.

لذا عليك أن تتكلم بإيجابية على الناس ولا تزيد همومهم، وتشعرهم بأهميتهم بقدر إمكانك، فربما كلمة منك أو ابتسامة، تساعد إنسان في الخروج من أفك الإحباط. أما من يروّجون الكلام السلبي عن ما هو أضعف منهم، لا لشيء إلا للتسلية، وملء وقت فراغهم، سيندمون على ذلك أشد الندم، حينما يدركون أن كلامهم وشائعاتهم أدت إلى انتحار مسكين، بل وربما الله يعتبرهم شركاء في الإثم.

أنت لست أفضل من أحد، سواء وصلت لمنصب جيد ، أو بشرتك بيضاء، أو نطقك سليم للحروف، أو دينك.. هذه كلها هبات من الله لا تمنحك حق التنمر على أحد لا يملك هذه الصفات!

إذا كنت لم تشاهد فيديو انتحار طالب الهندسة، أنصحك ألا تشاهده، حتى لا تصاب بإحباط لفترة طويلة، لكن عليك أن تراعي الله في كافة تصرفاتك، وتكون ألفاظك معبرة عن الرحمة، فهذا الشاب وغيره كثيرين قتلتهم كلمة.

أما بخصوص زيادة نسب الانتحار في مصر بشكل غير مسبوق، فهذا يتحمله المجتمع ككل، لذا وجب الاهتمام من الأسرة وترك العادات البالية، فحينما يمرض ابنهم عليهم أن يأخذوه إلى طبيب نفسي، ولا يأخذوه إلى الصلاة. أما الدولة عليها عمل برامج توعية بخطورة المرض، وكيفية علاجه، وكيف يتعامل المجتمع مع المريض النفسي. ويكون ذلك بفرد ذراعها في الإعلام وبزيادة برامج التوعية، وتعديل مناهج التعليم لتتواكب مع العصر، وتحمي الشباب من الانهيار.

الجدير بالذكر أن هذا الخبر قد تصدّر كل وسائل التواصل الاجتماعي في مصر.. ربما هي صرخة من عامة الشعب للمسئولين تطالبهم بفعل ما عليهم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

ديفيد عماد

كاتب, يعشق جمال الطبيعة, والزهور, ويحاول إن ينقل هذا الجمال, في كلمات منمقه.
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق