ثقافة و فنون

“امرؤ القيس” الأمير الضال والثائر بلا زاد

هو واحد من شعراء المعلقات، اسمه دائم الحضور في مآدب الشعر، إنه جندح بن حجر بن الحارث الكندي أحد أشهر شعراء الجاهلية وآخر ملوك أسرة كندة اليمينة، تولت قبيلته زمام الحكم في منطقة النجد منتصف القرن الخامس الميلادي، وظلت المنطقة خاضعة لحكم أسرته حتى منتصف القرن السادس الميلادي.

ولد امرؤ القيس في مطلع القرن السادس الميلادي ولا يعرف لميلاده تاريخ على وجه الدقة، لكن معظم الآراء أجمعت على مولده في بدايات القرن، كان امرؤ القيس مغرمًا بشرب الخمر وحب النساء وكان هذا واضحًا في شعره، كما عرف عنه الخلاعة والمجون؛ فنجده يسرق ملابس الفتيات التي كانت تستحم مشترطًا قدومهم عرايا حتى يحصلوا على ملابسهم، وكان معهم ابنة عمه والتي رفضت القدوم له عارية وبسبب هذه الحادثة رفضت الزواج منه بعد، لم يترك الخلاعة الموجودة في حياته فقد كانت حاضرة في شعره أيضًا:

ألست ترى السمّار والناس أحوال. فقلت يمين الله أبرح قاعداً

ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي.  حلفت لها بالله حلفة فاجرٍ

لناموا فما إن من حديثٍ ولا صال . فلما تنازعنا الحديث وأسمحت

هصرت بغصن ذي شماريخ ميال . وصرنا إلى الحسنى ورقّ كلامنا

كان لنشأة امرؤ القيس نشأة ارستقراطية؛ فوالده حاكم القبيلة، وأمه تنتمي لقبيلة ربيعة، نَعِم امرؤ القيس في ملك أبيه، فكان يشرب الخمر ويمارس شططه ومجنه صباحًا ومساءًا، كما أنه كان يعشق مطاردة النساء ورحلات الصيد، وكانت ممارساته هذه تأنفها الملوك وترفضها أعراف القبائل، ولما يأس منه والده ومن صلاح حاله قرر طرده من القبيلة.

عاش امرؤ القيس بعد طرد أبيه له حياةً مشردة طائشة، فلا يعبأ لشيء غير السكر والفحش في شعره، حتى قُتل أبيه بعد أن قامت قبيلة بني أسد بثورة ضده، وعندما علم القيس بنبأ مقتل أبيه على يد بني أسد، أنشد بيت شعره الشهير: “لا في اليوم مصحى لشاربٍ   ولا في غداه إذ ذاك ما كان يشربُ”، ثم علل على هذا بقوله: “رحم الله أبي.. ضيعني صغيرًا وحملني دمه كبيرًا.. لا صحو اليوم ولا سكر غداً اليوم خمر وغدًا أمر”

وجد امرؤ القيس محملًا بدم أبيه، فكان الثأر لوالده ضرورة ملحة وأنه لن يهدأ حتى يقتل القاتل ويسترد الحكم الضائع بعد مقتل والده، وتشير المصادر الأدبية إلى أنه استعان ببعض القبائل العربية في حربه ضد بني أسد، وقد اختلفت المصادر حول القبائل التي دعمته في حربه، بعضهم يشير إلى استعانته بأخواله في حربه من قبيلة بني ربيعة، بينما تشير مصادر أخرى إلى استعانته بصعاليك العرب وشراذم القبائل في حربه هذه، مكونًا جيشًا ضخمًا للثأر من قتلة أبيه.

استطاع امرؤ القيس تحقيق انتصارات كبيرة على بني أسد جعلتهم يضطرون للفرار من مواجهة هذه الجيوش، لكن امرؤ القيس كانت لديه رغبة جامحة في القضاء نهائيًا عليهم، وهو ما جعل القبائل والجنود المشاركين معه في حربه يتفلتون منه، فأصبح وحيدًا شريدًا مقطع الآمال، ولخلافٍ قديم بينه وبين المنذر بن ماء ملك الحيرة، استغل المنذر ما حلّ بامرؤ القيس من تفت لجيشه ليطارده طالبًا قتله، لكنه لم يستطع الإيقاع بـ امرؤ القيس رغم تعدد جيش المنذر الكبير، وتمكن القيس من الفرار ولجأ إلى قيصر الروم جستنيان بالقسطنطينية طالبًا الأمان، وقد كان له ما أراد، لكن وشاية حدثت بينه وبين القيصر كانت سببًا في قتله؛ حيث وشيَ به أحد أبناء بني أسد لدى القيصر يخبره بأن امرؤ القيس على علاقة بابنة القيصر، زهو ما جعل القيصر يعجل بسَمِّه عن طريق سترة -حُلة- منسوجة من الذهب بها السم القاتل، لكن نفى دكتور شوقي ضيف هذه القصة في كتابه العصر الجاهلي، كما أكد طه حسين في كتابه الأدب الجاهلي بأنها خرافة لا أساس لها من الصحة، لكني اعتقد أن رحلة القيس للقيصر صحيحة نظرًا لما رواه الأصمعي في قصيدته الرائية أنه ذهب للقيصر؛ حيث عبر عن رحلة امرؤ القيس بهذا البيت:

سما لك شوقُ بعد ما كان أقصرا     وحَلَّت سُليمى بطن قَوًّ فعَوْعَرَا

لكن امرؤ القيس لم يكمل رحلته للقيصر ولم يلتقِ به لسبب أو لآخر، فمات دون قتال يذكر بينه وبين أحد.

وبلا شك أن امرؤ القيس هو واحدُ من أشهر شعراء الجاهلية، فشعره قُسم إلى مرحلتين؛ الأولى قبل مقتل أبيه، وكان يدور حول مغامراته ورحلاته للصيد، وفي تلك المرحلة كتب معلقته:

قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ   بسقط اللّوى بين الدخُول فَحوْمل

والمرحلة الثانية من شعره مثلت حياته المضطربة بعد مقتل أبيه، ووصف ما مر بحياته من يأس وشكوى من الظروف التي ألمّت به، وفي هذه المرحلة كان بيت شعره المعبر عن حالته هذه:

ألا عِم صباحًا أيها الطلل البالي   وهل يعمن من كان في العصر الخالي

وفي هذا البيت كان القيس يبحث فيه عن مجده الزائل، وذكريات شبابه التي يحن إليها كل صباحٍ ومساء.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عمرو اللاهوني

كاتب صحفي ، باحث ماجستير في نقد الدراما التليفزيونية
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق