سياسة وتاريخ

اليوبيل الفضي للخذلان: مجزرة سربرينتسا ربع قرن من جرح لا يندمل

أحيا عشرات الآلاف إن لم يكن ملايين البوسنيين الذكرى الخامسة والعشرين للحادث الشهير الذي وقع في الحادي عشر من يوليو 1995، وهو مجزرة سربرينتسا على يد قوات صرب البوسنة، بقيادة راتكو ملاديتش، والتي راح ضحيتها 8500 مسلم، فيما اعتبر أنها ثاني أكبر عملية إبادة جماعية في أوروبا بعدما يعرف بمحارق النازيين ضد اليهود خلال الحرب العالمية الثانية. وخلال الاحتفال السنوي بذكرى المجزرة ينقل البوسنيون ما يكتشفونه من رفات شهدائهم إلى مقابر تليق بهم بعدما دفنهم الصرب في مقابر جماعية.

وفي سياق متصل، صرح جوزيف بوريل الممثل الأعلى للسياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، أن مجزرة سربرينتسا “أحلك الفصول في تاريخ أوروبا” وبأنها “ذكرى مؤلمة”.

وأشار “بوريل” خلال حديثه، إلى أن أوروبا قبل ربع قرن قد أخفقت في الوفاء بعهدها، مؤكداً أن القارة العجوز تنظر للماضي بصدق لتنشأ مستقبلاً أفضل لشعوب البلقان.

بالعودة لتفاصيل حرب البوسنة الدامية بين عامي 1992 و1995، سنجد أن سربرينتسا الواقعة شمال شرق البوسنة كانت محطًا للنزاع بين الصرب والجيش الوطني البوسني، فهي واحدة من المناطق التي سببت صداعاً لحكومتي بلجراد والصرب، وحاولت الأخيرة السيطرة عليها مراراً عبر معارك ضارية مع مقاتلي القوات البوسنية بقيادة ناصر أوريتش.

وفي البداية، كان للبوسنيين اليد العليا ونجحوا في دحر الصرب، لكن مع استمرار القتال زاد الصرب من نطاق سيطرتهم بعدما سقطت مدينة سربرينتسا وذلك بحلول يناير 1993.

ومع زيادة حدة الاقتتال بين الصرب والبوسنيين وتفوق جيش البوسنة بالرغم من قلة عدته وعتاده، تفتق ذهن الغرب عن طريقة شيطانية لضرب عصفورين بحجر واحد؛ وهو التخلص من أكبر عدد من مسلمي البوسنة والبلقان وإنقاذ الصرب من الهزيمة فكانت حيلة “المناطق الآمنة”؛ وهذا المصطلح يعني تحديد مناطق بعينها من البوسنة لتكون مأوى آمناً للمدنيين تصل إليهم فيها احتياجاتهم الإنسانية وتحرسهم قوات حفظ سلام تتبع الأمم المتحدة بالإضافة لقوات من الناتو (الحلف الأطلسي) لمنع تهريب السلاح للطرفين المتصارعين.

وفي الحادي عشر من أبريل 1993 أُعلنت سربرينتسا منطقة آمنة وأسندت مهمة حمايتها للكتيبة الهولندية، ومن ثم توقف الصرب لفترة عن مهاجمتها لحين استجماع قواهم للقضاء على ثاني أكبر معاقل المسلمين قضاءً مبرماً.

نجح الهولنديون في نزع سلاح المقاتلين البوسنيين مجددين تعهدهم بمنع أية اعتداءات ضد المدنيين العزل. وفي الثامن من يوليو 1995 دخل الصرب سربرينتسا وخدعوا المدنيين بعدما تواطئوا مع القوات الهولندية التي قرر أفرادها النجاة بحياتهم وليواجه المسلمون مصيرهم المحتوم وخلعوا ستراتهم مع صمت مطبق من الناتو الذي لم يستجب لنداء ضابط القوات الخاصة البريطاني نيك كاميرون، بمنع وقوع عملية إبادة لمسلمي سربرينتسا؛ بحجة تعطل خطوط الهاتف لديه.

فصل الرجال في معتقلات والنساء في معتقلات أخرى، اغتصبت النساء وقتل الرجال بدم بارد، وتلكأ الغرب المتحضر في اتخاذ أية إجراءات ضد الصرب. حتى حسم الأمريكيون قرارهم بشن حرب ضد الصرب في الثلاثين من أغسطس 1995، في محاولة لغسل يد الغرب من دماء ثلاثمائة ألف مسلم لقوا حتفهم خلال الحرب الصربية البربرية، ولن تتحقق العدالة لأسر ضحايا مجزرة سربرينتسا سوى في الآخرة فمن سيجرؤ في الدنيا على محاكمة أشخاص كانوا يحكمون العالم؟

اقرأ أيضًا: كواليس سقوط بغداد: الخليفة يلهو بالجواري والمغول يقصفون المدينة

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

أحمد زكي

كاتب مصري شاب صدرت لي عدة كتابات سياسية بين 2013 و2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق