علوم وصحة

اليد البشرية ودورها في التحول الإنساني

اليد البشرية ودورها في التحول الإنساني  .. لفترة طويلة، اعتبر أن القدرة على صناعة أدوات حجرية سمة تعرّف الأنواع البشرية التي تظهر في السجل الحفري، وتميزها تصنيفيا. فقد حسنت تكنلوجيا صناعة الأدوات من فرص بقاء أسلافنا أصحاب الأدمغة الكبيرة ومكنتهم من توسيع طيف نظامهم الغذائي. لكن الدماغ المتطور والحاجة وحدهما لا يكفيان لصناعة أدوات حجرية والتلاعب بها. إذ لا بد من امتلاك يد بصفات تشريحية معينة. ما هي الصفات التي امتلتكها أنواع هومو Homo (أشباه البشر ..  دونًا عن أسلافهم من القردة الإفريقية التي تسير على قدمين؟ الإجابة تكمن في الأحافير.
اليد البشرية .. إن تلك الأحافير تكشف عن ميزة حصرية لدى الهومو، وهي امتلاك “الناتئ الإبري” للسنعية الثالثة في عظام اليد. تشكل العظام السنعية راحة اليد. عددها خمسة وتقع بين الرسغ والسلاميات القريبة، وترقم من 1 إلى 5 من الإبهام إلى الخنصر. الأول هو الأقصر والثاني هو الأطول. السنعية الثالثة هي عظمة طويلة تتموضع في باطن راحة اليد وتصل الاصبع الأوسط مع عظم الرسغ. في نهاية السنعية الثالثة من ناحية الرسغ يوجد بروز عظمي صغير يسمى الناتئ الإبري. تكمن أهميته أنه يعمل كآلة قفل بين عظام اليد والرسغ ما يتيح للإبهام والأصابع الضغط بشكل أكبر على اليد.
اليد البشرية
عظام الأسناع الخمسة التي تشكل مشط اليد البشرية، مرتبة حسب الترقيم الروماني
دون استخدام الناتئ الإبري فإن عظام الرسغ تفتقر إلى الاستقرار اللازم للتعامل مع الأشياء بقوة ودقة، لأنه يوزع الضغط الناتج عن وضعيات الإبهام.
اليد البشرية
صورة ثلاثية الأبعاد نظهر مقارنة عظام السنعية الثالثة لمختلف الأنواع: من اليسار الى اليمين العظمة السنعية الثالثة للشمبانزي – الاسترالوبثكس العفاري – الاسترالوبثكس سيدبيا – إنسان نياندرتال – الانسان المعاصر الحديث تشريحيًا. السهم الصغير يشير الى الناتئ الإبري.
اليد البشرية .. إن البراعة اليدوية تعمقت بفضل مزايا الناتئ الإبري والتي سهلت قدرة الانسان على صنع أدوات بدءا من الفؤوس الحجرية انتهاء بأعقد الأجهزة كالتيلسكوب. يعتقد أن هذه الميزة حصرية بأجناس الهومو فقط، ويظن بعض الباحثين أن انقراض جنس الأوسترالوبيتكس كان بسبب فشله في تطوير هذا التكيف. ففي زمن ما كان هناك، إلى جانب أفراد من نوع هومو، أفرادا ما زالت متبقية من الأوسترالوبيتكس والذين لم يتمكنوا أبدا من تحقيق هذا التكيف، وهذا يثير التساؤل حول مدى أهمية أيدينا في النجاح التطوري لسلالاتنا وانقراض الآخرين!
مؤخرا، في عام 2011 في مالابا (في جنوب إفريقيا)، عثر علماء على عظام يد يمنى شبه كاملة، إضافة لعدة عظام من اليد اليسرى، تعود لنوع سمي أوسترالوبيتكس سيديبا Aus. Sediba. بعد دراستها تبين أنها تحمل سمات وظيفية من شأنها إنتاج أدوات حجرية. كما تحتفظ يد أوسترالوبيثكس سيديبا بالمورفولوجيا التي تشير إلى تسلق الأشجار. وتتيح مقارنة هذه العظام الأثرية مع عظام الهومو المكتشفة معرفة مراحل التطور الوظيفي لليد، فقد عرقل فقر السجل الأثري الذي يعود إلى ما قبل إنسان النياندرتال، بأحافير الأيدي تلك المهمة لفترة زمنية طويلة.‏‎

Ali H. Sousou

باحث في الأنثروبولوجيا البيولوجية، ومهتم بالقضايا الإنسانية والفكرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى