سياسة وتاريخ

الولايات المتحدة الأمريكية وآليات التغلغل الرأسمالي المعاصر

لقد خرجت الرأسمالية العالمية إلى العالم منتشية بنصر على الاشتراكية، بعد الأزمات الاقتصادية والحروب التي خاضتها دول العالم، انطلاقًا من أزمة 1929 الاقتصادية، ثم الحربين الأولى والثانية، وما تلاهما من أزمات أخرى وحرب باردة ما بين الغرب والشرق.

كل هذه الأشياء التي خدمت اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية أكثر من أي دولة أخرى، سواء الدول التي فازت بالحرب أو التي خسرتها، فكان لزامًا على القوة الجديدة التي ستحكم العالم أن تصوغ له نظامًا جديدًا تستقوي به على العالم، ولا يستطيع أي نظام آخر التغلب عليه أو منافسته، فامتلكت أمريكا اقتصاد العالم، وأضحت تتحكم به وفق إرادتها، مستمدة قوتها من المؤسسات المالية والشركات العملاقة التي تملكها، كما المنظمات ومقرات الأمم المتحدة التي توجد على أرضها، وتعطيها مشروعية لكل الأعمال التي تقوم بها، أو قامت بها.

هذه التطورات التي طرأت على المنظومة العالمية مؤخراً من توسيع النفوذ الأمريكي بدول العالم، وبخاصة في مناطق الشرق الأوسط حيث القلب النابض للعالم والمحرك الفعلي لأي اقتصاد عالمي، ونتحدث هنا عن البتروك والغاز، وحتى الأموال التي تقدم لها مقابل الحماية، كل هذه الأشياء قد أدت إلى تبلور تدريجى لوسائل جديدة لضمان السيطرة التي تفرضها على دول العالم.

السيطرة العسكرية والتجارية والاقتصادية، والحروب الكثيرة التي تخوضها على الصعيد العالمي، هذا الثالوث العسكري الاقتصادي والتجاري يعتبر الوسيلة الفعالة التي تحافظ بها الولايات المتحدة الأمريكية على مصالحها، وتبعد بها أشد المنافسين لها، وكل ذلك ضمن لها مركز المهمينة، والتحكم في مقدرات العالم، لكن هذا الثالوث عادة ما يحتاج إلى غطاء يزينه، يقويه ويزيد من فعاليته حتى لا يتمكن أحد من الوصول إليه وتجاوزه، لأن أي شيء من هذا القبيل سيعرض كبرياء دركي العالم إلى الأفول، وهي ما سنطلق عليها “الاحتكارات الخمسة الجديدة”، أو اليد الطويلة التي تبطش بها الولايات المتحدة الأمريكية.

لقد سعت الولايات المتحدة الأمريكية لأن تكون قوة كبيرة في العالم، ووظفت كل ما يضمن لها هذه السيادة، من تكنولوجية وتطور علمي كبير، فهي قوة تكنولوجية عالمية لا تستطيع أي دولة أخرى أن تصل إلى ما وصلت إليه من تقدم تكنولوجي، ولو أن اليابان ودول أخرى كثيرة حاولت ذلك، إلا أنها تظل دوما تحت أجنحة أمريكا، احتكرت التكنولوجيات العالمية الحديثة، وطورت من الصناعات وسعت في طريق الاختراعات، وهو ما يؤدي إلى تحول أمريكا إلى سوق التكنولوجيا العالمي، وصناعتها تعد الأفضل في العالم بدون منازع، كما حولت صناعة بسيطة إلى أخرى أكثر تقدما وفعالية، أدخلت التكنولوجيا في كل المجالات، وصنعت القنبلة النووية والبوارج الحربية، وصلت إلى الفضاء، وغاصت إلى الأعماق حيث إنتاج الباطن، وباتت تتحكم بفضل هذه التكنولوجيا في مصير العالم، فحققت بذلك أرباحًا عظيمة لا تقدر، وتمكنت من التفوق على باقي الصناعات الأخرى بالعالم.

منذ الحرب العالمية الأولى، هرب عدد كبير من يهود أوروبا للعيش في الولايات المتحدة الأمريكية، التي عملت على احتضانهم، لأنها كانت بحاجة ماسة إلى رجال الأعمال والأغنياء من أجل تقوية اقتصادها، كما أن حروب أوروبا كانت فرصة مواتية للصعود الصاروخي لهذه الدولة، حيث تحول اليهود ومعهم الثقل المالي إلى أمريكا، وبدأت البنوك تتوسع وتنتشر ويزداد الأغنياء وينموا الاقتصاد الأمريكي بصورة كبيرة، وأمام خسارة أوروبا للحرب وعمت الفوضى والدمار، وانهكت الاقتصادات الأوروبية، ظهر الأمريكيون محتكرين المؤسسات المالية العالمية التي ما تزال تسيطر على العالم كله إلى اليوم.

تتحكم في النشاط العالمي، وقد مكنتها الصناعة والتجارة وأرباحهما من تدعيم الهيمنة عبر القروض الممنوحة لدول العالم، كما أن هذه البنوك والمراكز المالية مولت الحروب الأمريكية، وأطلقت مشروع مارشال الذي أخضع دول كثيرة لأمريكا من اليابان إلى أوروبا وغيرهما من الدول الأخرى.

عملت الولايات المتحدة الأمريكية على نشر الحروب في كل أرجاء العالم؛ من أجل أن تضمن لنفسها القدرة على التحكم في مقدرات العالم وخيراته، وسعت بكل الطرق إلى احتكار القرار فى استخراج واستخدام الموارد الطبيعية على صعيد عالمي، والتحكم في خطط تنميتها من خلال التلاعب بأسعارها، بل وقد يصل الأمر إلى الاحتلال العسكرى المباشر للمناطق الغنية بهذه الموارد، فظهرت أمريكا تحت غطاء الحرية في مناطق إفريقية وعربية وآسيوية.

لقد تواجدت ليس لنشر الحرية كما يسوق لذلك عبر أبواق الإعلام العالمي، وإنما هذا التواجد رهين بالموارد الطبيعية التي تبحث عنها بلهفة، الذهب والألماس والبترول والغاز، كلها موارد تسيل لعاب أمريكا وتضع غطاء حرية الشعوب سبيلًا من أجل الوصول إليها، فتتوحل الحرية المنشودة إلى مجاعة وقتل وتدمير، ما يجعل هذه الشعوب المدمرة تقبل بأموال الأمريكان، فتخضع لها إلى الأبد ومعها تستفيذ الولايات من الموادر الطبيعية.

إن الدعاية الإعلامية مهمة جدا في نشر إيديولوجية أي خطاب أو مشروع معين في العالم، فهي وسيلة تظليل وتزييف الحقيقة، أو لنقل تلميع أنواع الباطل، فالحرب التي خاضتها الولايات المتحدة الأمريكية بالعراق وأفغنستان لم يتم التأشير عليها إلا بعد أن اقتنع الأمريكيون من خلال إعلامهم بضرورة الحد من خطورة الإرهاب الدولي في آسيا والشرق الأوسط، لذلك سعت أمريكا إلى صناعة إعلام قوي واحتكار وسائل الإعلام الحديثة على صعيد عالمي كوسيلة فعالة لصياغة القرارات، والتأثير في “الرأى العام” بما يدعم الهيمنة وخططها عالمياً وقطرياً.

وحتى تظهر الولايات المتحدة الأمريكية أكبر قوة وهي المتحكم في العالم، اتخذت أسلحة الدمار الشامل (القنابل النووية) كدرع واقي ورادع لباقي الخصوم الأخرى، كما أنها احتكرت هذه الأسلحة والوسائل العسكرية المتطورة التي تتيح التدخل “من بعيد” أو “من فوق” دون خوض عمليات حربية طويلة ومكلفة بشرياً، ولذلك نجد أن الولايات تسارع إلى طمس هوية الدول التي تنوي امتلاك هذا السلاح، فقد دمرت العراق لأنه كان ينوي تطوير منظوماته العسكرية، كما كوريا الشمالية وإيران ودول أخرى كثيرة، فبهذا الاحتكار وهذه القوة تظل دوما هي المتحكم والمسيطر على العالم، ولن تستطيع أي دولة أخرى أن تنافسها أو أن تحلم بأن تكون دركي العالم.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

عبد اللطيف ضمير

كاتب مغربي مهتم بالآداب وتحليل الخطاب، صحفي رياضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى