ثقافة و فنون
أحدث المقالات

الوعي المزيف والوعي الشقي

تشكل لحظة ضبط المفاهيم لحظة فلسفية بارزة بامتياز وخيطا ناظما قادرا على تجاوز اللبس والغموض الذي يكتنف مجمل التمثلات والتصورات التي يحملها العامة في أذهانهم، إذ أن الجهاز المفاهيمي بالمعنى الإبستمولوجي للكلمة ليعد ركيزة أساسية لا مناص منها لأي شرعية علمية وفلسفية كيفما كانت.

وضمن هذا السياق يمكن الحديث عن مفهوم الوعي الذي يطلق على تلك الإدراكات التي يسعى من خلالها الإنسان لفهم و استيعاب كل ما يدور في فلكه، كما يطلق كذلك على تلك القدرات الفكرية والمشاعر الحسية والتفاعلات المختلفة التي تحصل داخل الدماغ وتتحقق عن طريقها المعرفة الحياتية.

وقد اكتسب هذا المفهوم دلالة مركزية و أخد معنى أساسيا داخل مجموعة من الأنساق الفلسفية التي تبلورت منذ بداية العصور الحديثة بأوربا الغربية، حيث شيد الفيلسوف الفرنسي ديكارت هيكل فلسفته على مفهوم الوعي إذ اعتبره جوهر ما يميز الإنسان عن باقي الكائنات الأخرى، كما أرسى الفيلسوف الألماني هوسرل دعائم تصوراته على هذا المفهوم.

ومن هذا المنطلق يمكن القول أن مفهوم الوعي قد اغتنى بحمولات فكرية ورؤى فلسفية أسهمت في تعدد مجالاته و اختلاف أشكاله وتباين أنواعه، إذ أصبح الحديث في هذا الإطار عن وعي مزيف ووعي شقي يطبع علاقة الإنسان بكل ما يحيط به.

الوعي المزيف

و يقصد بالوعي المزيف في هذا المقام مجموع الأفكار والتصورات التي تمنح الواقع الذي أمام الإنسان شكلا معينا ونظرة مؤدلجة ومضللة تخفي الحقيقة وتحجبها. وهذا الوعي في غالب الأحيان يكون متحكما فيه من طرف قوى خفية أو ظاهرة تتحرك وفق أجندات مبهمة أو واضحة لأجل خلق وتثبيت حقيقة ما تخدم مصالحها. و قد يسقط الأفراد نتيجة  هذا الوعي في وحل التخلف والتبعية عند تعطيل العقل والفكر ليصبحوا بذالك تابعين وخاضعين مرتمين في أحضان التشدد والغلو الفكري.

وفعل التزييف في هذا الإطار يحيل على فعل عمدي منظم، متعدد الروافد، واسع النطاق يبتغي خلق منظومة محددة داخل الوعي الجمعي وتكريسها وتأصيلها بغض النظر عن صدق أو خطأ  ما تحمله من مفردات  وما تنبني عليه من معطيات ويتخلل هذا الفعل تقديم أدلة وحجج غير صحيحة بهدف التلاعب بجماعة المتلقين وتضليل رؤيتهم لقضية ما بأبعادها وجوانبها ونتائجها وتبعاتها.

و الحال أن عملية تزييف الوعي هذه  تستلزم أن يكون المفعول به غافلا عما يحدث له، وأن يكون الفاعل قاصدا لفعله ومتمتعا بالمهارة اللازمة لإنجاح المهمة على أكمل وجه.

الوعي الشقي

أما فيما يتعلق بالوعي الشقي فيقصد به في هذا الباب ذلك التباين الأنطولوجي بين ما تؤمن به الذات من أفكار ومعتقدات وما تفرضه إكراهات الواقع، مما يدفع بصاحبها (الذات) إلى الانزواء عوض الانخراط في هموم المجتمع، ويجعله أيضا في حيرة من أمره أمام سلوكات وأنماط لم يكن يعلم بها ولم يألفها في ممارساته اليومية من عادات  وتقاليد وأفكار.

وكل هذا يؤدي به في الأخير نحو البحث عن ذاته المتشضية بين القديم المتأصل فيه والجديد الدخيل المرفوض مجتمعيا ويجعله كذلك يسعى نحو تصيد  الفرص الممكنة التي تسمح له بتحقيق ما يبتغيه في معيشه اليومي و انشغالاته الخاصة.

والواقع المؤكد أن  هذا الوعي الشقي ينتج عن ذلك التناقض الصريح بين الوعي بماهية الشيء وبين ماهو كائن أصلا على أرض الواقع ليحيل بذلك حياة الفرد إلى سلسلة من الفجوات  التي تتوه في ثناياها تصوراته و تخبو في أعماقها أحلامه  لترتطم في النهاية بواقع مغاير يتمخض عنه شعور بصعوبة تحقيق المبتغى و المراد، فيتولد لديه نوع من الاغتراب والاستيلاب وعدم الألفة مع الأشياء ومن ثمة  تتحول العلاقة مع ذلك الواقع إلى فجوة غير مواتية للتجسير وهوة غير قابلة للردم.

 
الوسوم

عزيز غنيم

كاتب مغربي وأستاذ للفلسفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق