مدونات

الوسية اليوم: الفقراء يسيرون مع القطيع نحو الهاوية

على الأرجح أتت الوسية في قاموس معاجم اللغة العربية بمعنى آسى، يواسي، مواساة، واس. ولكننا هنا نقصد الحديث عن الوسية بالمعنى الآخر ألا وهي الكلمة المأخوذة من العامية المصرية الصميمة القديمة التي يفهمها أجدادنا جيدًا وتوارثتها الأجيال جيلًا بعد جيل.

وكانت تطلق الوسية على العزبة أو الإقطاعية قبل مجيء ثورة ٢٣ يوليو التي قضت عليها وحاولت محوها من الذاكرة، وكانت تسمى الوسية على اسم مالكها أو صاحبها المكرم التي وضعه المقررين اللعناء.

ولكن الآن، ظهر حديثًا ذلك المصطلح في ثوب جديد وأصبح أكثر شمولية، وتجمعت كل الوسيات تحت إمرة شخص واحد، من يمتلكها عاش ملكًا متوجًا على عرش الكون، يأمر يمينًا فيُطاع ويأمر يسارًا فلا يبالي، يتحكم في مصائر العباد ويلعب بمشاعرهم ويتلهى عن أوجاعهم، يسير منفردًا في طريق ممهد له خصيصًا.

ويسير الباقون في طريق آخر شديد الوعورة، لا يستطيع أحداً منهم أن يفتح فاه، كل ما عليه سوى الانصياع وعمل ما يتمناه صاحب الوسية الثري، صار الإنسان مع الحيوان بلا عقل، نظرية السير مع القطيع نحو الهاوية، فكر الاستعباد هو المستعمر المستحدث للقلوب، يكفي الطعام إن وجد مقابل مقبولًا نظير الخدمة الإجبارية في أراضي وأملاك الوسية.

ما أجمل الحاشية العليا في إيماءات الرؤوس وانحنائها موافقةً وتبجيلًا وكأن صاحب الوسية ملاك منزل من السماء، خطاب يصدر للعمال والفلاحين والطبقة الوسطى التي انقرضت منذ ردح بعيد، والطبقة المطحونة والفقراء الذين زادوا في العدد وأصبحوا بمثابة الأغلبية ومخاطبًا إياهم لا تخافوا ولا تحزنوا ولا تقلقوا أنا معكم لعقدين قادمين وسنصارع سويًا للممات وسأورث التركة لأولادي من بعدي أو مَن على شاكلتي.

وكأن الظلم مكتوب على الأغلبية قبل وبعد فقط تغيرت المسميات والشخص واحد، والظلم واحد، والجبروت هو نفسه، كان صاحب الوسية في الماضي سواء الإقطاعي المحلي أو الإقطاعي الأجنبي المستورد يعيش في قصرًا واحداً، أما مع تقدم آلة الزمن أصبحت القصور ما أكثرها.

وعلى الصعيد الآخر، سكن المهمشون والفقراء القبور وتغطوا بالتراب، وفي الصيف الحارق انعكست حرارة الشمس على وجوههم، وفي الشتاء القارص توغل البرد في أجسادهم، ولم يعد يتجمع الناس حول مدفأة الشتاء فحتى الحطب المتاح أصبح نادر الوجود، جف النهر وتشقق اليابس وطفح الكيل ومال الميزان ميلًا كذابًا.

يا من تسمعون لا فائدة من الثرثرة الفارغة المرسلة التي لا تأتي بجديد سوى تثبيت الأسوار ومنع الطيور من التحليق والطيران بحرية كالصقور والنسور تجتس كل من جار على حقوقها وجعل عيشتها مرار في مرار ويريد تحطيم مستقبلها، أأصبح فن اللامبالاة والضحك على الذقون والكلام الفاضي المجوف يوصف بالذكاء والحنكة والمكر والخداع!

ألا يوجد فردٌ منكم كالبطل الشعبي أدهم الشرقاوي، الذي حارب الإنجليز لوحده لكي يأتي يحرركم من القطط السمان المتوحشة. بنو جلدك يسلخ في جلدك لكي تقدم كالقرابين الضالة، وزادت مصيدة الفئران هنا وهناك للتطهير من الأركان ويعم الصمت وتوهم الآذان نفسها بالطرب الأصيل، في الماضي كان في كل شارع أو حارة أو زقاق أو مدق دوريشًا يعرف الحقيقة كاملة ولكنه يظهرها بطريقة غير مباشرة، وللسخرية كانت تضحك الناس عليه. والدراويش اليوم رغم تعدادهم الضخم تمت السيطرة عليهم وتمادوا في التطبيل والتصفيق لمجموعة من الأوغاد.

طوبى لمن غيب عقله عن الحقيقة الدامغة، زاد النفاق والرياء الأراضين وكثرت الثعابين في الحقول تنهش رزق الأبرياء وتلدغ الشرفاء وتتحكم في زهور الأمل والمستقبل القريب والبعيد.

ليست العصا هي من تحركنا ولا وطأة سوط الخوف هي ما تلجمنا، جربنا الغربة في بلاد غريبة وقابلنا أناس غرباء وغرتنا المظاهر الكاذبة والحلم الغادر وأخذنا نصيبنا من الكربات والهموم وامتلأت الزكائب، وعندما فكرنا في الرجوع يكسونا الفرح والأمل وجدنا الغربة داخل الوطن أشد قهراً، تنتظرنا على قدم وساق وبسرعة تجعلنا نفتش على الجحور، كلاب تعوي ليل نهار هل من معترض وخائن وبائع للأوطان، ما وجدت خيرًا من رائعة الشاعر سيد حجاب، لتعبر عما آلت إليه أحوال الوسية حيث كتب قصيدته الخالدة:-

مين اللى قال الدنيا دي وسية … فيها عبيد مناكيد وفيها السيد.

سوانا رب الناس سواسية … لا حد فينا يزيد ولا يخس إيد.

جينا الحياه زي الندى أبرياء … لا رضعنا كدب ولا اتفطمنا برياء.

طب ليه رمانا السيف على الزيف … وكيف نواجهه غير بالصدق والكبرياء.

عش يا ابن ادم بِكر زي الشجر … موت وإنت واقف زيه في مطرحك.

ولا تِنحِنى لمخلوق بشر أو حجر … وشب فوق مهما الزمان جرحك.

علماً أنه جعل العجز الأخير حاداً.

الفرق بينا وبين ولاد المدينة .. هما ولادها واحنا غرب في دروبها.

الجوع قصادنا الخوف يكلبش إيدينا … والخوف يذل النفس ويزيد كروبها.

يا قوة الله حلي في عروقي حلي … خليني أتبت فيكي وأثبت محلي.

وحلي عني يا رعشة الرعب حلي … لأجل إني أصد الجوع إذا جه وحلي.

دنيا جديدة تنفتح وبتاخدني … بفتحلها عيني وقلبي وروحي.

وافتحلها دراع إيدي أخدها في حضني … ألاقي حزني داب وطابت جروحي.

دنيا جديدة تنفتح لي دروبها … بلاقي نفسي فيها وأحضن خيالي.

ها أمد خطوي من شروقها لغروبها … وإن ليّلت أحلامى شمس الليالي.

أبكي يا ريح ونوحِى وطوحينا ربا … في بلدنا اتحكموا الغُرْب فينا.

لحد إمتى يا دنيا هتسوحينا … ونداري روحنا الدفينة

آه يازمن معيوب يا أيام سفيهة … يا دنيا مقلوبة عاليها في وطيها.

بقى يسرقونا ويتهمونا احنا فيها … وغفيرها حرميها وكبيرها خاطيها.

الأغراب بيكلوا لحمنا ويحرمونا … وبيشربوا من سيل عرقنا ودمنا.

نهوِى بكرباج يهوِى بيه يقومونا … وازاي نقوم وهمومنا دي مكومانا.

والفرحة جاية يادوب بفتح رموشي … لقيتها رايحة وروحي رايحة وراها.

يا دنيا ليه لياليكي مبيرحموشي … ولا الشموس ولا فرحتي منوراها.

وضحكتلي بعد القسا يا زماني … قربتلى حلم الطفولة السعيدة.

خطوة كمان

وهنول أرق الأماني عالية البعيدة … خلاص خلاص مهياش بعيدة.

اقرأ أيضًا: الحياة الاجتماعية للمرابطين وسيطرة الظلم والقهر

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق