سياسة وتاريخ

الوحدة الوطنية من الوصايا الفوقية إلى الصيانة الشعبية

عادة ما تلجأ النظم الهرمة المستهلكة في التاريخ والسياسة إلى إشهار ورقة التهديد بانفراط عقد الوحدة الوطنية، كلما استهدفها وعي وإرادة الشعب بالتنحي والتغيير، وإذا كان ذلك ديدن النظم الديكتاتورية، فما بالك بالنظام في الجزائر الذي زاد عن ديكتاتوريته، تمركزه في التاريخ الوطني وتماهيه في لحظة ميلاد الدولة المستقلة التي سرق شرعيتها سنة 1962 بداعي الحفاظ على الوحدة الوطنية إثر دخول جيش الحدود من وجدة وتونس لأخد الحكم بالقوة من الحكومة المؤقتة التي كانت تمثل السلطة الشرعية للشعب مهما طبع ممارساتها من أخطاء وما شاب نشاطها من إخفاق.

لماذا ينزع النظام الجزائري عن وعي الجزائريين خاصية الوحدة وحمايتها ويحتفظ بها لنفسه؟ ما هي مبرراته في ذلك وما مبررات الرفض التي تواجه بها وصايته من قبل الجيل الجديد من الشباب المتعلم المثقف؟

ثمة عناصر تاريخية لم تخدم الجزائري في استكمال مشروعه التحرري وتوقفت عند النجاح التحريري (للأرض)، أبرزها الفراغ في الوعي الشعبي المتعلق بمسألة بناء الدولة على أساس قيم المواطنة بسبب الأمية التي فشاها الاستعمار في الأوساط الشعبية، والخطأ السياسي القاتل الذي ارتكبته النخب الثقافية والسياسية على مستوى هيكلة الاتحاد السياسي الوطني لمختلف التيارات في إطار أحادي وليس وحدوي (جبهة التحرير الوطني) وعدم الاقتصار على توحيد الصف العسكري من أجل انتزاع الاستقلال، إذ يمكن اعتبار تلك البادرة بالتسليم القاتل لسلاح السياسة أخطر بكثير من تسليم السلاح الحربي، ذلك لأن ما لحق بالمجتمع الجزائري فيما بعد من يتم تاريخي وغياب سياسي وفقر فكري، كان أبشع مما لحقه من أزمات اقتصادية ومادية تسببت لها في الأحادية الشاملة في النظرة والممارسة.

والمشكل هو أن الأجيال التي تتلمذت على مقررات التاريخ الرسمي، وعلى ما كتبه مثقفو سلطة الاستقلال، لم يقرؤوا شيئا عن الوحدة النضالية للحركة الوطنية على صعيد كل مستويات نشاطها السياسي والثقافي، إلا ما كان يبرر به النظام انقلاباته من أجل تعزيز الوحدة (الأحادية) بوصفها صمام أمان البلاد والعباد، مثلما ظل يحمله خطابه السياسي والإعلامي.

صحيح أن مسألة رصد أبعاد التنوع في المجتمع الجزائري بكل عموم وتدقيق لكلمة “التنوع” التي لم تكن في صدر اهتمامات مختلف التيارات السياسية والثقافية للحركة الوطنية في الجزائر على اعتبار أن الجهد الوطني كان منصبا وقتذاك حول إثبات المشترك الكلي للهوية الوطنية بمغزاها السياسي والتاريخي أكثر من أي جهد آخر، ولذلك بطبيعة الحال ما يبرره، بل إنه لموقف حكيم من كل التيارات التي عملت على تصور المجتمع الجزائري وفق أبجديات تاريخه المشترك في الثقافة والانتماء الجغرافي للبلاد.

وهنا يكاد مفهوم التنوع ببعده السوسيوثقافي يندمج أو يذوب في مفهوم تفصيلي آخر وهو التعدد بمدلوله البوليتولوجي، والسبب هنا واضح كون الوعي الوطني الذي حملته رجالات الحركة الوطنية مذ انقشعت إرهاصاتها الأولى عبر نضالات ونداءات الأمير خالد كان سبقه سياسي وليس ثقافي أو أنثروبولوجي.

وبعد الاستقلال واندحار الآخر كان من الطبيعي أن يسعى الإنسان الجزائري إلى محاولة اكتشاف واستكشاف ذاته عبر سؤال الهوية ومركباتها ومراتبها ومسار تقلبها في التاريخ وفق ما كان يستجد من أسئلة المعرفة، وهنا حل الحسم العسكري محل الفكري، وبعد أن تراجع في سلم العمل الوطني السياسي والمعرفي خلف العسكري وتسخير هذا الأخير لجنود من هذين الصفين المتخلفين في مسار إعمار البلاد وبناء الإنسان.

وهنا تم تحريم وتجريم أي قول بالتنوع بعدما تم تحطيم وتكميم التعدد، وانتصب النظام وصيا عن الذات، مخلقا الإنسان الجزائري في روحه وماضية ومستقبله وفق مشروع لا يستقيم على منطق حكيم، وطبعا لم تكن للمواطن القدرة على مواجهة الإجابات القسرية للنظام عن أسئلة عميقة كان التاريخ يفرضها عليه، قبل أن يخضعه كلية لتلكم الأسئلة مع تنامي الوعي وتعالي مستويات التعليم والثقافة في المجتمع الجزائري.

منع النظام للتنوع السوسيوثقافي الفطري الذي كان حاصلا في المجتمع الجزائري، حتى قبل الاستعمار اعتمد فيه بشكل طبيعي من دون توجيه رسمي أو استغلال سياسوي طائفي وفئوي، كان لخوفه من التعرض لأسئلة الذاكرة التي سبقت مولده، فهو بموجب الأبوية السياسية التي مارسها مذ استولى على مقاليد الحكم، قد استحال إلى ذلك الأب الذي لا يملك ماضي بيته وأسرته لأنه ببساط ابن أبنائه، أبناؤه من أنجبوه ! في مفارقة عجيبة غريبة مضحكة كانت تكشف عورته ولا شرعيته، وتحول دوما دون تمكينه من ترسيخ إرادته في التمركز والتماهي في الذات الوطنية مثلما سعى إليها من خلال جهوده لمحو كل مناطق الذاكرة المرسومة بأسئلة الماضي الوطني وما ينجم عنه من وجع للحاضر يجعل المجتمع في كل مرة يهتز ويتململ بغية تصحيح ما يتوجب التصحيح.

عملية الإطباق على خاصية التنوع وشل حركيتها الايجابية في المجتمع، كان لها أثر سلبي على مسار استواء الوعي السياسي الوطني على عوده، إذ اختلط البعدان التعددي الايديولوجي – السياسي بالتنوعي الثقافي – الإثني في مساق واحد، وراح يؤسس إلى جهوية أو وفئوية تنطلق في خاص وخاصية مطالبها السياسية من خصوصيتها الثانية أو الجهوية أو الثقافية.

لم يحدث هذا حتى أيام الحركة الوطنية حيث كان حسين آيت أحمد القبائلي مناضلا في حزب الشعب PPA الذي أسسه مصالي الحاج التلمساني، وكان عباسي مدني الإسلامي الذي تربى في مدارس جمعية العلماء المسلمين، مناضلا في حركة انتصار الحريات الديمقراطية MTLD في تجل تام لهول الانحراف الذي أزلت به الأحادية قدم المجتمع إلى وهدة الاحتراس والاحتراب البيني.

مع الأسف وظف النظام هذا الاختلاط في البعدين التنوعي والتعددي الذي نجم عن أحادية مقيتة، لضرب التعددية الثانية للمجتمع الجزائري (1989/1992) من خلال اعتماد أحزاب قائمة على الجمع الخاطئ للبعدين بغية تفجير الساحة الوطنية والقول بعدم قدرة المجتمع الجزائري على ممارسة التعددية دون وصايا من النظام نفسه.

لكن وفي خضم عجز النظام عن مواكبة التطورات الحاصلة على جميع صعد المفاهيم المتصلة بتسيير المجتمع والدولة، لا بل بالتطور الذي صار يتعلق بمفهوم الدولة ذاتها وشاكلة اشتغالها في ظل الانفجاريات الكبرى المتوالية في عالم المعلوماتية وهيمنة حكومات – الشركات الكبرى على القرارات والمقررات ونفاذها إلى داخل السيادة القطرية للدول الضعيفة والكبيرة على حد سواء، لم يجد ما يصمد به حيال ذلك كله سوى إعادة اجتراح الحاضر بأداة الماضي، تلك الأداة التي ثلمت (حفات باللهجة الجزائرية).

القول بأن مطالب التأسيس التي يرفعها الحراكيون اليوم هي مهددة للوحدة الوطنية، علما بأن العملية هي إعادة تأسيس وليس تأسيسا في أو على الفراغ كما يغيب عن البعض، سواء من الرافضين أو الراغبين في المسار أو المجلس التأسيسي.

فالوحدة الوطنية اليوم لم تعد وصايا فوقية بل صيانة يتولاها الشعب نفسه، الذي تبدل وعيه وتغيرت رؤاه للتاريخ وللوطنية، وهو اليوم إذ يرنو إلى منقلب جمهوري جديد يتصل فيه بنداء التأسيس الأول، فإنه وفي ذات الوقت يقطع مع الممارسة “الجمهورية الأولى” التي أخفقت في بناء الوطن الذي رسمه بيان أول نوفمبر، وزاده في ذلك هاته الروح الوطنية الجديدة التي بدت متنوعة في شعاراتها متحدة في منطلقها ومنتهاها.

هي إذا ملامح الوطنية الثانية المؤسسة لجمهورية ثانية أو جديدة قائمة على قواعد المواطنة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"
زر الذهاب إلى الأعلى