علوم وصحةسياسة وتاريخ

ما محل الوطن العربي من التهافت العالمي على العلم والعلماء؟

منذ عامين، كتبت مقالاً بجريدة الأمة تحت عنوان “عواقب تضييع العلم وإهدار حق العلماء”، وذكرت فيه أن براءات الاختراع في بلادنا العربية تكاد تكون معدومة؛ بسبب الفساد الإداري والمحسوبية وغياب العدالة، وبالدليل ذكرت أحد الأمثلة؛ ففي عام 2010 سجلت إسرائيل 16806 براءة اختراع في مقابل 836 براءة اختراع في البلدان العربية جميعًا، هل أنت متخيل أن دولة صغيرة مثل إسرائيل تسجل 20 ضعف براءات اختراع الأمة العربية بأكملها؟

وفي عام 2015 مثلاً سجلت إسرائيل 35900 براءة اختراع مقارنة بــ 275 براءة اختراع لأكبر دولة عربية وهي مصر، بمعنى أنها تتفوق على مصر بحوالي 130 مرة في هذا الصدد، ومنذ زمن وأنا أعلم أن شبابنا يخترعون وأبحاثهم يتم إلقائها في أدراج المكاتب دون اهتمام، ويمكنكم البحث على الإنترنت للتأكد من صحة وصدق هذه البيانات، فقد وجد أحد طلابي وهو مسلم أمريكى الجنسية من أصول أسيوية أن حوالى 25 موقعًا موثوقًا به على الإنترنت يرى أن العرب قد تخلوا عن العلم، وفقط ينشرون الكراهية نحو الأخر من خلال الإعلام والأفلام دون عمل واهتمام بالعلم والاختراعات.

إسرائيل دولة تنفق أكبر نسبة من ناتجها المحلي على البحث العلمي، وافتتحوا رسميًا مركز حيفا التقني والمشهور بالتخنيون عام 1924، والذي تم طرح فكرته في برلين عام 1907، وتم وضع حجر الأساس له عام 1912، وكان يهدف لتلبية احتياجات دولتهم من العلماء والمهندسين بعد إعلانها، بمعنى أنه حتى قبل أن تقوم لهم دولة ووطن، وقبل أن تكتمل موجات الهجرة اليهودية لفلسطين، وذات مرة تم دعوتي لمؤتمر عن مشكلة المياة في العصر الحديث، ففوجئت بذكر إسرائيل كدولة بها أرخص وأدق تكنولوجيا تحلية مياة في العالم، ما نحن فيه من تخلف وفساد سببه الرئيسي إهمالنا للعلم والعلماء بخلاف تلميع الفاسدين والساقطين.

واليوم وبعد الانتشار الواسع لفيروس كورونا المستجد، نجد أن خريطة العالم يتم كتابتها من جديد وكأنما جاء هذا الفيروس ليختطف الهيمنة العالمية الأمريكية والغربية لينقله للشرق، وتحديداً للصين وهو المارد الأصفر الذي يدين الولايات المتحدة الأمريكية بتريليونات الدولارات، فقد أزاحت الصين الولايات المتحدة عن عرش تربعت عليه طوال أكثر من أربعة عقود، عندما تمكنت الصين من أن تصبح أكبر مصدر لطلبات تسجيل براءات الاختراع في العالم، حيث ذكرت المنظمة العالمية للملكية الفكرية، إن الصين أصبحت أكبر مصدر لطلبات تسجيل البراءات الاختراع في عام 2019، وقد أشارت الوكالة التابعة للأمم المتحدة إلى أن الصين قد أزاحت أمريكا من مركز شغلته لمدة ما يقرب من 40 عاماً وفقاً لوكالة رويترز.

وفي الوقت الذي يتم رسم الخريطة العالمية بشكل جديد، هل هذا هو الوقت المناسب لتنهض أمتنا العربية وتلملم شتات نفسها لتأخد لها مكاناً متميزاً على الخريطة العالمية؟ أعتقد أن هذا من أهم الأمور التي تستدعي التحرك السريع والقوي، ولا ينقص بلادنا العربية العلماء والمفكرين والباحثين، بل ينقصها تبجيل العلم وتقدير العلماء، وعلينا أن نذكر أنه في ظل أزمة فيروس كورونا لم يهرع الشعوب للفنانين ولاعبي كرة القدم من أجل المساعدة، بل أدركوا أنه ليس من منقذ لهم سوى العلماء.

يجب أن نعترف بأن العلم هو من يأخذ بالدول للمقدمة، وهو أمر لا جدال فيه، ولكن للأسف في بلادنا ينقصنا الكثير من الحكمة، فنحن نهين المعلم والأستاذ الجامعي وفي ذلك هدم صريح لقيمة العلم والعلماء، ولا بد أن تعترف بأن الأنظمة الفاسدة قد تسببت في هجرة خيرة العلماء والذين ساهموا في تقدم كل الدول التي هاجروا إليها.

وعلى الجانب الشخصي وذات مرة وبينما كنت أتناول الغداء مع صديق مصري يعيش فى أمريكا منذ سنوات عديدة ويعمل أستاذًا للهندسة الذرية بجامعة أمريكية مرموقة، كنت أتحدث عن أهمية العلم وأسرد موقفًا حدث لي من جانب أحد الطلاب العرب أثناء الدرس، ثم تطرقت للحديث عن التعليم في مصر، نظر هذا الصديق نحوي والحزن في عينيه وقال لي إنه لا يعلم إذا كان قراره بترك مصر والهجرة كان صائبًا أم لا، فهو محروم من رؤية أمه ويرى بناته يكبرون في مجتمع مختلف تمامًا في كل شيء، ولكن لم يكن لديه بديل، فبرغم تفوقه الدراسي لم يجد فرصة ترضي طموحه داخل مصر.

لم أرد بإجابة قليلاً؛ فلقد شعرت أنه فقط يريد من يستمع لصوت عقله ويخفف عنه، ثم حدثته عن كم العلماء المصريين بالخارج والذين ملأوا الدول الغربية علماً وساهموا في تقدمها، ويكفي كمثال أن أكبر شبكة طرق في الولاية التي أعيش بها صممها مهندس مصري أصوله من محافظة أسيوط.

وربما سمعتم عن إسماعيل عجاوي وهو الطالب الفلسطيني الذي يبلغ من العمر 17 عامًا، والمقيم بلبنان والذي حصل على منحه كاملة للدراسة بجامعة هارفارد الأمريكية، وقد استلم الفيزا وكل موافقات القبول، ولكن عقب وصوله لمطار بوسطن ليبدأ الدراسة في الميعاد الصحيح، إذ بضابط الهجرة يقرر تفتيش التيلفون واللاب توب الخاص به ويبحث فيهم عن أي شيء مريب، وتم مُنع هذا الطالب من الدخول إلى الولايات المتحدة بسبب منشور لشخص ما على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.

فور أن سمع رئيس جامعة هارفارد بالموضوع أنه تم منع طالب من دخول أمريكا بسبب منشورات على موقع تواصل اجتماعي، قام بوقف أجندة عمله وقرر أن يتدخل فورياً وبقوة، وسافر وأجرى مقابلات خلال أيام معدودة، أدت إلى مقاضاة ضباط قسم الجوازات وتم إصدار قرار بمنح هذا الطالب كل الحق في دخول أمريكا ليبدأ الدراسة في موعده، ووصل هنا يوم 2 سبتمبر في العام الحالى، والأهم إن رئيس الجامعة ذكر في حديثه أن هذا الطالب طالما فاز بمنحة، فهذا يعني أنه اجتاز كل اختبارات الجامعة، وهو يعتبر مكسبًا علميًا وفكريًا للجامعة، فقط تخيل الأمر فرئيس الجامعة الأقوى عالميًا، يتدخل بنفسه وشخصه من أجل طالب غير أمريكي أصلًا، ويصمم إنه ينتصر لهذا الطالب برغم قرار الأمن بعدم دخوله، ليبدأ الطالب دراسته في توقيتها الصحيح وكأنه يضرب أقوى مثال على أن دول العلم تنتصر.

على الجانب الآخر كلنا قرأنا وسمعنا أخبار “علماء مصر غاصبون”، وعندما تم القبض على الدكتور طارق الشيخ مؤسس صفحة علماء مصر غاضبون، فقد كان ذلك ردًا واضحًا من الدولة ويعكس سياستها ورؤيتها تجاه أساتذة الجامعات وباحثيها وعلمائها وموقفها من العلم ومستقبله وموقعه من خريطتها، وهو موقف نتمنى أن يكون على وشك التغيير بعد كل ما يحدث في العالم من تغيير.

Dr Mahmoud Hegazy

محاضر ومترجم وباحث فى دراسات الشرق الأوسط بالولايات المتحدة الأمريكية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى