مدونات

الهوية

قبل الحديث عن الهوية، يجب أولًا تحديد تعريف لها لنعرف بذلك في أي مجال بالتحديد نتحدث عن الهوية، فقد تتعلق بشخص أو جماعة أو حضارات أو غير ذلك، إلا أننا نتحدث عن الهوية الشخصية، أي ماهيته. وباعتبار أن كل شخص يتميز بشخصية يعني أنه متميز عن الآخرين بمجموعة من الصفات وهذا التميز يجعل له تعريفًا خاصًا به، هذه هي الماهية.

ونحن في هذا المقال نبحث عما يحدد هوية الشخص أي ماهيته. والمشكلة في هذا الموضوع هي كوننا لم نجد محددًا واحدًا، بل مجموعة من المحددات لهوية الشخص، وكل هذا في حالة ما إذا كان الذي يتحدث عن هذا المحدد يقول بأن هوية الشخص ثابتة، أما من جهة ثانية فهناك من يقول عكس ذلك؛ حيث نجد الاتجاه السوسيولوجي والسيكولوجي يقولان العكس باعتبار أن هوية الإنسان غير ثابتة لدى الشخص.

إذا كنا نبحث عن محدد للهوية وعن أساسها فيجدر بنا البدء بالفيلسوف الفرنسي روني ديكارت باعتباره رائد فلسفة الشك، والذي ينطلق في هذا الموضوع بالضبط من اعتباره للإنسان ككائن عاقل ومفكر يتميز بالتفكير والتصور والاستنباط والاستدلال والتخيل، وهذا ما يؤهل هويته لأن تكون ثابتة، ويجعل التفكير في حد ذاته محددًا لأساس الهوية.

ونجد لاشوليي بدوره يؤيد ديكارت في كون الهوية تقوم على أساس ثابت وعلى الوحدة والتطابق، ولكن هذا لا يعني أنه لا يختلف معه فيما يخص محدد الهوية؛ فهو يعتبر الذاكرة محددًا لثبات الهوية بكون الإنسان قد يتغير شكله وقد تحدث فيه مجموعة من التغيرات، إلا أن ما يجمع فيه بين ماضيه وحاضره ومستقبله هو وحدة الطبع والمزاج، وهي الذاكرة؛ حيث إن هذه الأخيرة هي التي تجعل الإنسان يربط ماضيه بحاضره، وحاضره بمستقبله، وخير مثال على ذلك أن الإنسان قد يكون متوترًا في زمن الحاضر نتيجة فعل حدث من قبل، وهذا التأثير لم يكن إلا بواسطة الذاكرة. وهذا التصور في حد ذاته مؤيد من طرف جون لوك الذي يقول بدوره أن الذاكرة هي التي تجعل الإنسان مواصل في إحساسه وشعوره بأنه كائن يفكر وحتى في شعوره أثناء تفكيره.

أما رائد الفلسفة التشاؤمية شوبنهاو فهو يقول أن الذاكرة قابلة للتلف، وبالتالي لا يمكنها أن تحدد أساس ثبات هوية الشخص، بل يمكن القول حسب شوبنهاور أن ما يرافق الإنسان طيلة عمره رغم تغير شكله هو كون هذا الأخير يتصف دائمًا بالإرادة، وهو شعور لا ينقطع أبدًا في الإنسان، لهذا فهو يحدد أن عنصر الإرادة أساس هوية الشخص.

إن هذا الجدل الذي نتحدث عنه -أن هناك عنصر واحد وثابت لا يتغير هو الذي من شأنه أن يحدد هوية الشخص- لهو أمر صعب جدًا أن نستطيع حسمه أو أن نجد له دليلًا قاطعًا وموحدًا بين الفلاسفة أجمعين، وإذا كان هذا في حد ذاته جدلًا فهناك جدل آخر وهو وجود اتجاه آخر ينبثق عن الاتجاه السيكولوجي والذي يعارض فكرة كون الهوية ثابتة.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

فؤاد المهدي

شاب صاعد باحث و مفكر في العلوم الإنسانية و في العلوم التقنية "التكنولوجيا " و العلوم التجريبية . مبادؤه الفكر الإسلامي و الإنفتاح على العالم و دراسة كل ما هو متعلق بالحياة لا سيما من الجانب النفسي و العاطفي و الإنساني ، وذلك باعتباره " الإنسان " ، ذاك الكائن الذي يفكر ويشك و يحس و يفهم و يتذكر و يريد ... إيماني بالإنسان يعني لي الإرتقاء بالإنسانية و كل ما يتعلق بها .
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق