مدونات

الهوية (2)

إن الحديث عن الهوية لا ينحصر في مجال واحد، وهنا بالضبط أقصد أنها -أي الهوية- ليست موضوعًا منحصرًا على المجال الفلسفي، وإنما تعدى ذلك ليصل الى المجال السيكولوجي؛ حيث نجد أحد علماء النفس سيغموند فرويد يتحدث بنفسه عن قضية ثبات الهوية، إلا أننا نجده يعارضها، فالهوية بالنسبة إليه ليست ثابتة لدى الشخص، وإنما هي دينامية تتغير بتغير مستويات الجهاز النفسي التي حددها في ثلاثة مستويات رئيسية: هي الأنا والأنا الأعلى والهو؛ فالأنا هي منطقه توازن في الجهاز النفسي لدى الشخص، وهي المنطقة المسئولة عن خلق التوازن بين الأنا الأعلى والهو، وبصيغة أخرى فهي المسئولة عن التوازن بين الرغبات والغرائز و الشهوات التي يريدها الإنسان، وبين الضمير الأخلاقي والنفس اللوامة لديه.

أما الأنا الأعلى فهي ذلك السيد المسيطر في الجهاز النفسي على منطقة التأنيب، والممثل الأعلى للضمير الأخلاقي الذي ينتمي للإنسان من الجانب الأخلاقي والاجتماعي والديني وعلى مستوى العرف كذلك، فهذه كلها ضوابط اجتماعية هي التي تتحكم في الأنا الأعلى.

أما منطقة الهو فهي تلك المنطقة المسئولة عن الشهوات التي يكون الإنسان في ميول إليها، فبسببها يميل الانسان إلى مجموعة من الشهوات الجنسية واللذة وإلى ما قد يشكل بالنسبة للضمير الأخلاقي شيئًا فاسدًا وغير مقبول. فالإنسان إذًا حينما نراه يميل إلى الغرائز والشهوات يمكننا القول أن أناه سمحت في هذه الحالة لمنطقة الهو بالسيطرة على جهازه النفسي، أما عندما نرى هذا الشخص أخلاقيًا ملتزمًا بمجموعة من الضوابط المفروضة عليه من مختلف النواحي الاجتماعية والنفسية والأخلاقية فإننا ندرك بذلك أن منطقة الأنا الأعلى هي التي سمحت لها الأنا بالسيطرة والتحكم.

وبما أن الإنسان غير ثابت أبدًا ويشهد انتقالات ما بين الأنا الأعلى والهو، فتارة نراه ذلك الشخص الأخلاقي وتارة أخرى نراه ذلك الشخص المحتاج إلى الميول والغرائز فلا يمكن إذن أن نجد له هوية ثابتة. وبالتالي حسب سيغموند فرويد فكل تلك المحددات التي حددها الفلاسفة باعتبارها بالنسبة لهم محددًا لثبات الهوية إنما هي غير صحيحة ما دام هناك عامل هذا الجهاز النفسي الدينامي.

إنما يمكن القول إجمالًا أن هوية الشخص هي التي تحدد ماهيته وتعرفنا به كشخص وليس كغير، وذلك لكون الشخص يمكننا معرفته تمام المعرفة، فكل واحد يمكنه معرفة نفسه، لكن لا يمكنه معرفة غيره والوصول إلى حقيقة ماهيته إلا فيسيولوجيًا. وهذا ما يجعلنا ننفتح على مقاربة فلسفية أخرى تبقى دائمًا في الوضع البشري؛ وهي الغير كموضوع قابل للمناقشة، حيث حير هذا الأخير عقول الفلاسفة في الساحة الفكرية بكونه هل يقبل معرفة تامة أم تبقى معرفته سطحية، وكذا عن أهمية وجوده وما طبيعة العلاقة التي تجمع بين الشخص والغير.. كل هذه القضايا تشغل ذهن الفلاسفة والسيكولوجيين والسوسيولوجيين.

وما يمكن الخلوص إليه في هذا الموضوع هو كون الشخص له هوية قد تكون ثابتة رغم اختلاف محدداتها، سواء كانت التفكير أو الذاكرة أو الإحساس أو الإرادة. وقد تكون هوية الشخص غير ثابتة مبنية على أساس التعدد والاختلاف بعامل دينامية الجهاز النفسي لدى الشخص.

جميع الآراء الواردة بهذا المقال تعبر فقط عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

برجاء تقييم المقال

الوسوم

فؤاد المهدي

شاب صاعد باحث و مفكر في العلوم الإنسانية و في العلوم التقنية "التكنولوجيا " و العلوم التجريبية . مبادؤه الفكر الإسلامي و الإنفتاح على العالم و دراسة كل ما هو متعلق بالحياة لا سيما من الجانب النفسي و العاطفي و الإنساني ، وذلك باعتباره " الإنسان " ، ذاك الكائن الذي يفكر ويشك و يحس و يفهم و يتذكر و يريد ... إيماني بالإنسان يعني لي الإرتقاء بالإنسانية و كل ما يتعلق بها .
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق