سياسة وتاريخ

الهوية والصراع الموريسكي المغربي

إن الأندلس مهما مرت السنوات، وتغيرت الأجيال وملامح العمارة والبنيان، إلا أنه يبقى جزء منا ومن هويتنا المغربية العربية الإسلامية، فهو جسدنا الممتد خارج القارة التي نعيش عليها، هو المغرب الآخر الذي يذكرنا بالماضي المجيد، وتاريخ الأجداد، شاهد من شواهد الحضارة الإسلامية عمرت لقرون طويلة بإسبانيا والبرتغال، وسميت بالأندلس أو الفردوس المفقود.

هذا الجزء بالرغم من فقدانه وضياعه، إلا أنه ظل حاضراً في كتابات الكتاب، وفي ذهن كل شخص منا، وهذا ما اتضح جلياً من خلال الأعمال الأدبية المغربية التي تناولت قضية الأندلس من مختلف الجوانب، من الفتح على يد طارق بن زياد إلى السقوط المذل، ومن أهم وأبرز الأعمال التي كتبت كوثيقة تعريفية وتوثيقية للماضي، نجد رواية “ربيع قرطبة” و”المورسكي” لصاحبهما الكاتب المغربي المعروف “حسن أوريد”، وسنتخذ الموريسكي رجلا لهذه المرحلة ليعرفنا على جزء مهم من تاريخ الفردوس المفقود، وما خلفه هذا السقوط المريع على الأندلسيين، نفسيًا واجتماعيًا وكذلك على مستوى الحكم، ثم علاقة الفارين المورسكيين بالمغرب وحكامه، كون أن المغرب أقرب نقطة إلى الجانب الإيبيري.

رواية الموريسكي روايات حقيقية توثيقية تاريخية بالدرجة الأولى، توثق مرحلة بداية السقوط وما بعده، تسرد لنا تفاصيل كثيرة وجب الوقوف عندها وتأملها والتمعن فيها؛ لما فيها من عبر تاريخية وغيرها، هذه الفترة تحديداً وجب الوقوف عندها مراراً وتكراراً، وتذكير الأجيال القادمة والحالية بها، لأنها بداية النكسة الحقيقية للأمة العربية الإسلامية، وصعود الحضارة الغربية الإمبريالية العالمية التي سيطرت علينا وعلى مقدراتنا، إنها مرحلة سقوط الأندلس والاضطهاد الذي تعرض له المسلمون هناك بعد هزيمة الجيوش الإسلامية التي كانت تستقوي على بعضها البعض بغيرها من النصارى الصليبين، وتناحرت إلى أن وصل بهم الحال إلى تقسيم الأندلس إلى دويلات صغيرة، فيما يعرف تاريخياً بملوك الطوائف.

وفي هذا المقال سنتحدث عن مجموعة من القضايا الهامة، وخاصة فيما يتعلق بعلاقة المورسكيين بالحكام المغاربة، ثم سياسة الانتقاء التي فرضتها محاكم التفتيش على المورسكيين.

تعرض الأندلسيون للطرد والتعسف، ثم القتل والتنصير، في ضرب صارخ لحرية التدين والحريات العامة التي كان يتمتع بها الأندلسيون من الإسبان وغيرهم، ولم يتعرضوا قط خلال الحكم الإسلامي لما تعرضوا له بعده، أقام الصليبيون محاكم التفتيش من أجل البطش بمسلمي الأندلس، حيث أطلق عليهم بإسبانيا ب “الموريسكيين”، أو بمعنى آخر المسيحيين الجدد، عمل حكام إسبانيا على حرقهم ومصادرة أملاكهم وطردهم من الأندلس إلى البحر الأبيض المتوسط وما وراءه من دول المغرب الأقصى.

وهنا نتوقف عند واحد من أهم شخصيات هذه الفترة التي تتمحور حولها رواية “الموريسكي” انبثق من تاريخ الفردوس المفقود، برواية تاريخية عن هذه الفترة، بيدرو أو شهاب الدين الموريسكي بطل الرواية يروي قصته ظلماً وقهراً وألماً، وهو ذات تنصهر في ذوات عديدة تعرضت لنفس ما تعرض له، ثم يواصل سرد الأحداث و التحولات الفكرية والاجتماعية التي طرأت على الأندلسيين، بعد خروجهم من الأندلس وهجرتهم إلى المغرب الأقصى، حيث الاختلاف بين العدوتين المغربية والإيبيرية، تمزق بين ثقافتين مختلفين، معتقدين مختلفين، الانفتاح الأندلسي والإنغلاق المغربي، ما شكل هروب المورسكيين من جحيم الصليبين جحيمًا آخرًا، لكن على المستوى النفسي، لم يفلحوا في النجاة من وقع الهزيمة وما خلفته محاكم التفتيش على نفسيتهم، ووقع ذلك عليهم لتجنب تذكر المأساة التي ألمت بهم وشتتهم وجعلتهم بلا هوية، بلا وطن وبلا منصب، بعدما كانوا أفضل من ذلك في فردوسهم المفقود.

في هاته الرواية سنتوقف كثيرًا عند العلاقة التي جمعت المورسكيين بالمغاربة، كونهما يتقاسمان الكثير من الأشياء، التي تجمع بينهما، من خلال الرواية سنخوض في طبيعة تلك العلاقة التي جمعت الموريسكيين من الفارين من جحيم الصليبين، والمغاربة الذي يتقاسمون معهم الدين “إخوانهم في الدين”، هذه العلاقة كما تصورها الرواية لم ترق إلى ما كان ينتظر منها، ولا يمكن أن نلقي باللوم على المغاربة وسلاطينهم، فالحذر والخوف من هؤلاء الوافدين الجدد كان سيد الموقف، خاصة وأن الدولة المغربية كانت تعرف نزاعات داخلية لا حصر لها، وإمكانية تأجيج الصراع واردة في ظل بحث الموريسكيين عن موطن جديد يستعيدون فيهم الهوية المفقودة، والذات الميتة، وقد ظهر ذلك جليًا في علاقتهم بالسلطان السعدي الذي همشهم نوعاً ما ولم تسند لهم المراكز الحساسة في القيادة، كما أنه ظل يتابع تحركاتهم وخطواتهم، وعمل أيضاً على تشتيتهم في ربوع المملكة، ولم يسع قط إلى إيجاد حل لهم.

الكثيرون ممن قرأوا الرواية تظهر لهم هذه العلاقة على أنها استغلال سياسي للسلطان السعدي الأمير أحمد المنصور الذهبي لمأساة الموريسكيين، وعلى كونه لم يسارع إلى إنهاء المأساة التي كانوا يعيشونها على أرض المسلمين، غاية السلطان السعدي كانت أكبر من إيجاد حل لهم، لكنه كان يريد أن يظهر في ثوب الأمير من أجل إعطاء نوع خاص من الانطباع، بكون السلطان السعدي قادر على إثبات نفسه في تسيير أمور بلاده بنفسه دون الحاجة إلى الآخرين، فالتفكير في إدماج المورسكيين في الحياة السياسية للبلاد هو انتحار سياسي وموت قبل حلول الأجل، لأن وصول المورسكيين إلى مراكز القرار سيزيد من الأزمات الداخلية والثورات التي كانت تنشأ هنا وهناك، فرغبتهم كانت كبيرة في بناء وطن لهم يحميهم من التشتت واللاهوية التي أصبحوا يعيشون فيها.

فأحمد أو شهاب الدين “الشخصية الرئيسية للرواية” شخصية قوية جذابة ببساطتها وتكوينها العلمي المتميز، قادرة على القيادة السياسية، لكنها ظلت مهمشة ولم يكن لها دور كبير في صناعة القرارات السياسية للأسباب التي ذكرنها سابقًا، الأمر الذي دفعه لتغيير الكثير من الأشياء، وإعادة النظر في الدين والتدين كخطوة أولى من أحل الانصهار مع المغاربة في مجتمع واحد، شهاب الدين هذا كان فقيهًا تقليديًا.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "22عربي"

برجاء تقييم المقال

الوسوم

عبد اللطيف ضمير

كاتب مغربي مهتم بالآداب وتحليل الخطاب، صحفي رياضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق